عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
128
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
ولحظه ، متفقدا لخواطره وسرائره ووسواس نفسه ، عامل اللّه بالصّدق ، وعرف النّاس فانزوى عنهم ثم انبسط في آخر عمره لم ير في وقته أكبر همة ولا أصدق حالا منه ، وله سؤالات سأل عنها أبا محمد بن أبي زيد تدلّ على تدقيقه في الورع وتحفّظه لدينه . قلت : وكان سؤاله لأبي بكر بن اللباد قبله حسبما تقدم وهو قول أبي الحسن ، اجتمع إلي جماعة في حانوتي بالقطّانين ، بعد وفاة والدي ، فقسموا قطنا بينهم فنفضت الموضع الّذي قسم فيه القطن فاجتمع فيه من القطن نحو من وزن أربعة دراهم ، فذهبت إلى أبي بكر بن اللباد فسألته ما الّذي أصنع بالقطن ، فانتهرني وقال لي : يا هذا سل عن وضوئك وصلاتك ودينك ، فإن هذا وسواس . قال أبو الحسن : فضاق صدري ولم أطق صبرا فغلبني البكاء والعبرة ، فوثب إليّ وجذبني إلى نفسه وقبّلني بين عيني ، وقال لي : أحسنت يا بني ما عرفتك ، فقد قيل : « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزن عليكم وتجهّزوا للعرض على اللّه » « 1 » . يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ ( 18 ) [ الحاقّة : 18 ] قال : ثم أمرني بما أصنع بالقطن . قال : قيل : إنه لم يخلق الورع في الدنيا إلا لرجلين : أبي إسحاق السبائي ، وأبي الحسن بن الحلّاف . روي عنه أنه قال رجل لسليمان الخواص : ألا تغزو معنا ؟ قال : بأي شيء أغزو معكم إني لفي جمع ثلاثة دراهم من حلّها منذ سنة ! فقال له الرجل : لو كان النّاس هكذا ما غزى الرّوم أحدا ، فقال له سليمان : لو كان النّاس هذا لكبّر المسلمون تكبيرة ينهدم لها سور القسطنطينية . وقال في وصيته إن ابن أخي يبيع الدار فأعلموا المشتري أن النمل في سقوفها ، وأنّ الحناش « 2 » سكنتها فإذا ظهرت له فليؤذنها ، فكان كما قال الشيخ ، واشترى الدار الصّنوبري ، فلما ظهرت له ، آذنها فلم تعد « 3 » للخروج وكان مولده سنة ثلاثمائة وتوفي يوم الأربعاء في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ، وصلّى عليه أبو الحسن القابسي وكثر الناس حتى سدّوا الفضاء ، وكان يوما صاحيا ، والنّهار قد ارتفع ، وإذا بشيء يسقط
--> ( 1 ) عن ثابت بن الحجاج قال : قال عمر ( أي ابن الخطاب ) : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا ، أن تحاسبوا أنفسكم اليوم ، تزيّنوا للعرض الأكبر يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ ( 18 ) [ الحاقّة : 18 ] انظر هذا في كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي جمال الدين أبو الفرج : 1 / 119 المكتبة التجارية مكة المكرمة . ( 2 ) الحناش : نوع من الحيّات . ( 3 ) ط ، ت : تعودوا . والصواب ما أثبتناه .