عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
106
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
القاضي بمكانه ، فأمر بإدخاله ، ومن معه . وقال : هاهنا جواري ، قال : جئت مخاصما ! قال : جواري ولو خاصمك أهل القيروان ، فذكر له خبر أخيه فهمّ النّعمان « 1 » بضربه وسجنه . فقال له : لم أرد هذا ! وإنما أريد أن تأخذ على يده وتزجره . وقبله عياض « 2 » لسكوته عنه . وفيه عندي نظر ، والحقّ التّسوية بينه وبين أخيه ، وأما جلوسه بجواره دون أخيه على ظاهر الكلام فلا يجوز عندي ، ولا أفعله ولو كان أمير المؤمنين ، وليس له إلا المساواة ، وإما أن يوكّل غيره وينصرف ، وأحرى أن لا يسمع كلامه مجردا على أخيه دون بيّنة ، وعادتي نتحفّظ في هذا كلّ التّحفّظ ، حتى أسوّي بين الغريمين في النّظر إذا لم ننظر للمدّعي وهو يتكلم لأمر ما ، كضرّ ، ووجع بعيني اشتغلت بحكّها لا انظر للمدّعى عليه وقد زال وجع عيني ، ونسمع كلامه كما سمعته من الأول ومن شرط القاضي العدل أن يسوي بين القوي والضعيف ، والشريف والمشروف ، بحيث لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، وأكثر قضاة الوقت بالقيروان وغيرها لا يحافظون على هذا ومثله ، وذلك لا يجوز لهم وهو من جورهم ، وصرع إنسان بجنب أبي سعيد فقال له الجان على لسان المصروع : أنت تنكر هذا يا أبا سعيد فأنا أخبرك إن أردت بما في بيتك وما جرى لك مع خادمك البارحة ! فقال له أبو سعيد : اسكت يا مشئوم وكان أبو سعيد ينكر مثل هذا قبل هذا ، فصار يصدّق بمثل هذا ونحوه ، وذلك أنه دخل على امرأة من قرابته صرعت فقال له الجنّيّ : كنت البارحة جالسا تحت الميزاب وأنت تأكل التمر ، ولقد رميتني بنواة تحب آتيك الليلة ، فقلت : لا يا مشئوم « 3 » . قال : وقال أحمد ابن القاضي النّعمان : يا أبا سعيد لم تقولون أنّ من قذف عائشة يقتل « 4 » ، وإنما قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [ النّور : 4 ] . وجلد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تسليما أهل الإفك ثمانين جلدة ، فلم لم تأخذوا بالقرآن ولا بما فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلم تسليما ؟ فقال أبو سعيد : قال
--> ( 1 ) في ترتيب المدارك : السلطان 4 / 491 . ( 2 ) انظر الخبر في ترتيب المدارك 4 / 491 . ( 3 ) ورد الخبر في ترتيب المدارك : 4 / 491 . ( 4 ) في ترتيب المدارك : « وناظره بعض العراقيين فقال لهم : أنتم تقولون من سبّ عائشة قتل » 4 / 489 .