عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

99

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

مضيت ليلة من ليالي رمضان إلى مسجد عبد الجبار ، لأصلي خلفه التّراويح ، فصليت معه صلاة العشاء الأخيرة ، فلما فرغ من الصّلاة تنفّل الناس ما شاء اللّه تعالى أن يتنفّلوا ، ثم قام المؤذّن فقال : الصّلاة يرحمكم اللّه . فقام النّاس ودخل عبد الجبار المحراب فقرأ في الترويحة الأولى « البقرة » ، و « آل عمران » ، و « النساء » ، و « المائدة » ، فلما قضاها انصرف كثير من النّاس ، ثم قام في الترويحة الثانية فقرأ : الأنعام ، والأعراف ، والأنفال وبراءة فلعهدي برءوس الرّجال « 1 » أراها في ضوء القناديل تتمايل يمينا وشمالا ، ثم تمادى في الصّلاة فكان يمرّ في القراءة مرّ الجواد فإذا اشتبه عليه الحرف أو تعايا فيه ، تركه وقرأ ما يليه ، فيقرأ العشرين آية والثلاثين آية والأقل والأكثر ، ثم يتفكر في ذلك الحرف فيرجع إليه فيقرأه مفردا ، ثم يعود إلى الموضع الّذي كان فيه فيقرأ منه ، قال : فما زال كذلك حتى تراجع النّاس إلى المسجد من آخر اللّيل وتمادى حتى ختم القرآن وأتاه مؤذنه بقصعة فيها شيء من ثريد يسير فتسحر منه ، ثم أذّن المؤذّن وطلع الفجر فصلّى بهم الصّبح . قال عبد اللّه بن هاشم [ فجاهدت ] « 2 » نفسي أن أقدر على ما قدر عليه عبد الجبار من مجاوزته الموضع الذي أشكل عليه ورجوعه إليه بعد ذلك ببرهة ورجوعه إلى الموضع الّذي كان فيه ، فما قدرت على ذلك إلا بعد ثلاثين سنة « 3 » . قال : وختم في مسجده نيّفا وأربعة آلاف ختمة . قلت : في كلامه بتر لزيادة التّجيبي في الفريضة ولذا قال غيرهما : ختم في مسجده ثلاثين ألف ختمة ، وكان يختم فيه كل ليلة ختمة « 4 » . قال المالكي : حدّث هاشم المذكور قال : خرج عبد الجبار من داره يوم الجمعة للرّواح إلى صلاة الجمعة فإذا شابّ جميل له هيئة حسنة ولباس جميل ، وقد أتبع صبيّة يمشي خلفها فلما رأى « 5 » عبد الجبار شقّ عليه ذلك ، فاتّكأ برجله على رجله الأخرى فقطع شسع نعله

--> ( 1 ) في الرياض : الناس 1 / 464 . ( 2 ) في الأصل : فجاهرت . التصويب من الرياض : 1 / 464 . ( 3 ) الرياض : 1 / 464 - 465 . ( 4 ) الرياض : 1 / 470 وفيه زيادة : « وجد ذلك مكتوبا في قبلة مسجده » . ( 5 ) في الرياض : رآه 1 / 465 .