عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
81
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
وسليمان يقول في سحنون كذلك ، حتى تقدم سحنون ، وهذا فيه كفاية في فضله وعلمه ، وما جرى في إساءة الحال بينه وبين محمد بن سحنون لا يقدح فيه ، وقد تقدّم أنّه ولّاه سحنون قضاء باجّة ، وسمعت من ينقل أنّ أهل باجّة اشتكوا به إلى سحنون بن سعيد فقال : ما تقولون فيه ؟ فقالوا : إنه يحكم علينا بمذهب أبي حنيفة فقال : ما قدمته عليكم إلّا وأنا أعلم أنّه يحكم بمذهبه فانصرفوا فلما مات سحنون تولّى قضاء القيروان وكان من أحضر قضاة إفريقية جوابا ، وألطفهم حسّا ، وأحدّهم ذهنا ، وكان يقول : لو شئت أن أقضي بين الخصمين بلا بيّنة ، لفعلت واللّه ما يقعد بين يدي الخصمان ويتناظران إلّا وأنا أعرف من له الحق منهما . قلت : وكان إيّاس بن معاوية يحكم بالفراسة بين الغرماء . قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه اللّه تعالى : وقد كان قاضي القضاة الشّامي المالكي ببغداد أيام كوني بالشّام يحكم بذلك على طريقة إياس ، وكان شيخنا فخر الإسلام الشّاشي صنّف جزءا في الردّ عليه كتبه بخطه وأعطانيه ، وذلك صحيح فإن مواد الإسلام معلومة شرعا مدركة قطعا وليست الفراسة منها ويحكى أن الشّافعي ومحمد بن الحسن كانا جالسين بفناء الكعبة ، ورجل على باب المسجد ، فقال أحدهما : أراه نجّارا ، وقال الآخر : أراه حدّادا ، فبادر من حضر إلى الرّجل فقال : كنت نجّارا ، وأنا اليوم حدّادا وزعمت الصّوفيّة أنها كرامة ، وقال غيرهم : بل هي استدلال بالعلامات ، ومن العلامات ما يبدو بأول النظر ، ومنها ما هو خفيّ ، فلا يبدو لكلّ أحد ، ولا يدرك ببادي الرأي ، وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم تسليما أنه قال : « اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه » . ذكر القاضي ابن العربي هذا عند قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) [ الحجر : 75 ] . قال : وحقيقتها الاستدلال بالخلق على الخلق ، وذلك لجودة القريحة وحدّة الخاطر . قلت : وأول يوم جلس الشّيخ إمام الطّريقة أبو القاسم محمد بن الجنيد رضي اللّه تعالى عنه للميعاد قال له رجل عندما جلس وعليه زيّ الإسلام : يا أبا القاسم ما معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « اتّقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » ؟ فنكس الشّيخ الجنيد رأسه ثمّ رفعه وقال : يا هذا أسلم تسلم فقد آن إسلامك فقال الرجل : أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، فقيل له : أو ما كنت مسلما ؟ فقال : لا وإنما كنت كافرا وأتيت من بلادي وقلت : أصلّي مع الناس وأظهر الإسلام حتّى