عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
69
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
ابن سحنون ، واغتمّ لذلك وقال له : يا أخي نزل بك هذا وأنا في الدنيا ؛ ثم كتب له رقعة وقال له : امض بها إلى فلان الصّيرفي ، فمضى إليه فأعطاه عشرين دينارا فأخذها واشترى منها ما يحتاج إليه ؛ وأتى بالحمالين إلى الدار ، فقالت له زوجته : ما هذا ؟ فقال : هذا ما أعطاني الرجل الّذي كنت أشتمه . [ العراق منه جاءت الفتنة ] ثم أقبل الرجل وهو يقول : العراق منه جاءت الفتنة ، ومنه أقبل كل شرّ ثم أتى إلى محمد بن سحنون فأخبره بما فعل فقال له محمد : تقدر على السفر ؟ قال : نعم فكتب له كتابا وقال : امض إلى قسطيليّة فأخذه ومضى إليها ، فلما وصل أنزله أصحابه وأضافوه ضيافة حسنة ، وأعطوه ثلاثمائة دينار وهدايا من طرائف بلادهم ، فظن الرجل أنّها لمحمد بن سحنون ، فلما وصل إلى القيروان ، دخل إلى محمد فأعطاه كتاب القوم ، فلما قرأه استرجع وقال : حال الناس ، ما هكذا عهدناهم . فقال له الرجل : يا سيدي إن كان بقي لك عندهم شيء فأنا أرجع إليهم ثانية . قال له محمد : يا أخي إنها لك ، فكأنّي لم أجد من أبعث إلّا أنت ، وإنّما عجبت من تغيّر الزّمان في هذا الوقت . قلت : وإنما قال له جزاك اللّه خيرا لاحتمال وجهين : أحدهما : لأنه قال له ذلك في أذنه لا يسمعه من حضر . الثاني : لكونه أهدى له حسنات باقية قال بعضهم : كنت بالمنستير وإذا برجل يقرأ في جوف اللّيل وهو يصلي : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 21 ) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [ الأعراف : 21 ، 22 ] ويبكي ودموعه تقع على الحصير طق طق من كثرتها ، وهو يكرّر الآية وما زال يكرّرها حتى طلع الفجر ، ولا أدري من يكون ، فلمّا خرج إذا هو محمد بن سحنون رحمه اللّه تعالى « 1 » . ذكر بقية أخباره لما تولى والده القضاء اعتنى بسليمان بن عمران حتى استكتبه ثم عني به حتّى ولّاه قضاء باجّة ، فلما مات سحنون وولي سليمان قضاء القيروان ساءت الحال
--> ( 1 ) راجع هذا في الرياض بسياق آخر 1 / 446 .