عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
27
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قلت : وهكذا كانت القضاة وذبّهم عن حرمة الشّرع العزيز ، ونصرة الأمير لهم ! وشاهدت في زماننا قائد الموضع يخرج من يسجنه القاضي ، ويقول : إن عليه طلب المخزن ، وهو يكذب في ذلك وهب أنه يصدق فلا يجوز له ذلك ، وإن هو فعله فأقل المراتب أن يرده كما كان ويتغافل بعض القضاة عن ذلك لئلا يتخاشن معه فما ينصفه في مرتبه فأحرى أن لو خاف من تسبّبه في عزله وقد وقفت في هذا الباب في مدينة باجّة « 1 » ، وطاردني ولاتها بمكاتبتهم لأمير المؤمنين : أبي فارس عبد العزيز وغلبتهم عنده ، والمباشر لي في ذلك ؛ شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني رحمه اللّه تعالى ، فأتى جواب أمير المؤمنين : أنّ من عليه طلب المخزن من البوادي ، وسبق حكم الشرع فيه ، فإن ذلك فحكمه مقدم . وإن سبق طلب المخزن فيه ، ودعا للشرع يؤخذ طلب المخزن منه من حكر أو غيره ، ويردّ بفور ذلك القاضي ، وينفذ فيه حكمه على هذا يكون العمل . قال : ولما حضرت أحمد بن أبي محرز الوفاة ، أوصى إلى ابنه عمران أن يستر موته ، وأن يغسّله ، ويكفنه ويصلي عليه فيمن حضره من خاصّته ، وأن يخرجه إلى قبره ، فلما مات فعل ذلك به ، فلما أخرج من الدار وافاهم خلف الخادم من عند زيادة اللّه ، ومعه اثنا عشر ثوبا ، وبرمة فيها مسك ! وقال : يا عمران ما هذا الذي صنعت ؟ فاعتذر إليه فقال : هل من سبيل إلى أن تدخل هذه الثياب ؟ فقال عمر : إن لا سبيل إلى ذلك . فأفرغ خلف البرمة على الكفن ، ثم مضى بجنازته ، فوافاهم زيادة اللّه بالمصلّى فصلّى عليه . قلت : في كلامه بتر لزيادة غيره : وحضر دفنه ، وعزى عمران ولده ثم قال زيادة اللّه : يا أهل القيروان ، لو أراد اللّه بكم خيرا لم يزل أحمد بن أبي محرز بين أظهركم « 2 » . قال : وكانت وفاته في جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين ومائتين .
--> ( 1 ) باجة : في تونس ، والأندلس ، فالتي في إفريقية أي تونس ؛ مدينة كبيرة أولية قديمة فيها آثار ، أما باجة الأندلس بنيت في أيام الأقاصرة من أقدم مدن الأندلس بنيانا . انظر الروض المعطار ص : 75 . ( 2 ) انظر الرياض : 1 / 400 - 401 ، والبيان المغرب 1 / 106 باختصار .