عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
84
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
وتمادت العرب في طلب أصحابه حتى سقوا خيلهم من ملوية « 1 » واد بطنجة وأفنوا رجال الروم وفتح شقبنارية « 2 » وقلاعا . ثم رحل إلى القيروان وقد فزع منه جميع الروم والبربر ثم إن زهيرا رأى من إفريقية رفاهية العيش وملكا عظيما فأبى من المقام وقال : إنما قدمت للجهاد ولم أقدم لحب الدنيا ؛ وكان رضي اللّه تعالى عنه من رؤساء العابدين فراوده « 3 » أصحابه على المقام بإفريقية فأبى ورجع إلى المشرق ونزل ببرقة « 4 » وكانت له بها وقائع كثيرة مع المشركين . وكانت الرّوم لما [ أن ] « 5 » بلغهم أنّ زهيرا خرج غازيا إلى إفريقيّة لقتال الرّوم والبربر وأيقنوا أنه خرج من برقة أمكنهم ما يريدون فخرجوا إليها في مراكب وقوة عظيمة فأغاروا على برقة فأصابوا منها سبيا كثيرا ، وقتلوا وأفسدوا وذهبوا فوافق ذلك قدوم زهير من إفريقية إلى برقة فأخبروه بالّذي حلّ بهم من الروم ، فأمر عسكره أن يمضي على الطريق وعدل هو إلى السّاحل في خيل يسيرة من فرسان أصحابه وأنجادهم ، وطمع أن يدرك شيئا من سبي المسلمين . فلما انتهى إلى الساحل أشرف على الروم فأذاهم في خلق فلم يقدر أن يرجع واستغاثه « 6 » ذراري المسلمين وصاحوا والروم يدخلونهم في المراكب وعسكر الروم بوفرة في البر فنادى زهير بأصحابه فقال « 7 » : انزلوا رحمكم اللّه ، فنزل المسلمون وبرز الروم لقتالهم ، فالتقى الفريقان فاقتتلوا قتالا شديدا حتى عانق « 8 » بعضهم بعضا ، وتكاثر عليهم الروم فاستشهد زهير وكل من معه من المسلمين رضي اللّه عنهم أجمعين ، ولم يفلت منهم إلا رجل واحد ؛ فأدخل الرّوم خيلهم وسلاحهم والسّبي الذي كان معهم في المراكب . فلما وصل الخبر إلى عبد الملك ،
--> ( 1 ) ملوية هو نهر من الأنهار الكبرى ينحدر من قمم الجبال بين الأطلس الكبير والمتوسط ، ويصب في البحر الأبيض المتوسط بين وجدة ومليلية ، ويبلغ طوله نحو 500 كلم ، وتحيط به عدة قصور صحراوية وقرى ومراكز فلاحية مهمة . كتاب المغرب ص : 186 رقم 275 . ( 2 ) شقبنارية : أماكن بتونس . راجع معجم البلدان 3 / 354 . ( 3 ) في ط : فراودوه . الإصلاح من : ت . ( 4 ) برقة : بفتح أوله والقاف مدينة قال عنها ياقوت : اسم صقع كبير يشتمل على مدن وقرى بين الإسكندرية وإفريقية واسم مدينتها انطابلس وتفسيره الخمس مدن . راجع معجم البلدان 1 / 388 . ( 5 ) ما بين معقوفتين سقط من : ت ، ومثبت في ط . ( 6 ) في ط : واستغاث ، وما أثبتناه من : ت . ( 7 ) في ط : وقال ، وما أثبتناه من : ت . ( 8 ) في ط : عانقوا .