عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
248
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
إبراهيم يقول له في كتابه : وأعلمك أنّي لا أفكّ لك كتابا حتّى يكون مع كتابك لي كتاب ابن غانم . قلت : يعني إن شكرك أبقيناك وإن ذمّك عزلناك . قال المالكي : ولذلك كان إبراهيم أشد الناس وأكثرهم مداراة لابن غانم . وكان كثير الإكرام والتعظيم له ، فكان إبراهيم بن الأغلب يصلّي بالجامع الأعظم المكتوبات كلها ، فخرج ليلة من الليالي من دار « 1 » الإمارة فدخل الجامع لصلاة العتمة ، وكان مشغول القلب فعثر على حصير فسقط ، فلمّا صلّى بالناس وانصرف ، بعث في طلب ابن غانم ، فأتاه الرّسول وقال له : الأمير يدعوك فتغير لذلك « 2 » ابن غانم وقال : في مثل هذه الساعة « 3 » يوجه ورائي ؟ ثم لم يجد بدّا أن قام إليه ، فلما دخل عليه قال : يا أبا عبد الرحمن ، إني لم أبعث إليك إلّا لخير ، إني لما دخلت المسجد اشتغل قلبي عن حفظ نفسي فعثرت على حصير فسقطت فظننت بالنّاس أنّهم حسبوا أنّي منتبذ فأحببت أن تكون براءتي عندك ولا أبالي بغيرك فاستنكهني فاستنكهه ابن غانم فوجده بريئا [ مما قال فشكر له ذلك ] « 4 » . قلت : وا عجباه هكذا كان عز القضاة والخوف منهم لكونهم عملوا بما عرفوا من العلم ، فكان خوفهم على قدر علمهم ، وقد شاهدنا هذا من شيخنا أبي مهدي عيسى الغبريني رحمه اللّه تعالى . ونظر ابن غانم يوما إلى قارورة في يد إبراهيم فيها دهن يسير ، فقال لإبراهيم : ما هذا ؟ فقال له : دهن ثم قال : كم تظن أنّه يساوي ؟ فقال له : هذا تافه يسير ، كم عسى أن يساوي ؟ فقال : إنّ ثمنه كذا وكذا درهما . وذكر ثمنا كثيرا فقال ابن غانم : ما هذا ؟ قال : السّمّ القاتل . قال : أرنيه ، فدفع إليه القاروة ، فلما أخذها ابن غانم ضرب بها عمودا كان في المجلس فانكسرت وذهب ما فيها ، فقال له إبراهيم : ما صنعت ؟ قال : أفنترك معك ما تقتل الناس به اغتيالا « 5 » . قلت : ذكر هذه الحكاية أبو بكر المالكي ، وفعل ابن غانم ما يجب عليه لأنّه منكر فوجب عليه تغييره بإفساده مع كونه لا يخاف على نفسه .
--> ( 1 ) في الرياض : من داره ، دار الإمارة 1 / 226 . ( 2 ) في ت ، والرياض : عند ذلك 1 / 226 . ( 3 ) في الرياض : الوقت 1 / 226 . ( 4 ) في ت : من ذلك . ( 5 ) الرياض 1 / 224 .