عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

244

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

وأرغب إلى اللّه بمثل هذا أو أخص منه اتباعا لابن غانم ، وإنما ذكرت جربة لأنّها أوّل ولاية وليتها ، فكنت في غاية ما يكون من الإشفاق والخوف على نفسي ، ولا نجد فيها من نشاركه في أمري لأنّ أهلها خوارج ، ولهم مذهب لأنفسهم بخلاف ما وليته بعد ، فكان لجائي إلى اللّه تعالى في جوف اللّيل فيها أكثر وألزم . قال : وكان إذا جلس يحكم بين الناس يلبس الفرو الدني ، والثياب الخشنة ويصرف بصره إلى الأرض ، [ فمن لم يره لم يشك أنّه مكفوف ] « 1 » . قلت : تبع فيه التّجيبي وبتر من كلامه ، لكنه كان يجلس للنساء يوما . ونقله المالكي عن أبي محمد [ عبد اللّه ] « 2 » بن أبي زيد عن عبد اللّه بن سعيد بن الحداد عن أبيه . وزاد : وكان يزيل الكتّاب والحجّاب من بين يديه في ذلك اليوم الّذي يحكم فيه للنساء . قال : وتشكّى لابن غانم النّخّاسون ، فقالوا : اشترى منّا أبو هارون مولى إبراهيم بن الأغلب وصاحب أمره بغالا بخمسمائة دينار ، ولم يدفع لنا شيئا ، فأحضر ابن الأغلب أبا هارون وسأله عما ذكر القاضي ، فأقرّ به وقال : إنّما أخّرتهم ليجيء خراج قسطيليّة ، فإذا جاء دفعت إليهم ، قال ابن غانم : إنّما ظننت أنّه يجحد فأوقفه معهم موقف الخصوم ، فأمّا إذا أقرّ فإنّي لا أبرح حتّى يدفع إليهم أموالهم . قلت : قسطيلية هي نفزاوة . وذكر هذه الحكاية المالكي ، وذكر أنّه بنفس تشكّيهم قام ابن غانم من الفور ، وكان إبراهيم قد أباح له الدخول . وهكذا كان القضاة المعتبرون يخلّصون أموال المسلمين من حاشية السّلطنة بعزّ ، ويسوّون بين القويّ والضعيف ، ويقرّون شرع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وبحسن قصدهم أعزّهم اللّه تعالى ؛ ومنهم شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني رحمه اللّه ، فعرّفني بعض من أثق به من العدول ، قال : بينما هو يحكم في سقيفة الدّويرة اللّطيفة المحبّسة على جامع القصبة ، إذ كان ساكنا بها بزوجه ، لكونه كان إمام الجامع المذكور ، وذلك في ابتداء أمره ، وإذا برجل قال : يا سيدي ، دعوت لك فلانا وكيل السلطان زكريّاء من رياض السلطان ولم يتبعني ، قال : انتظره ، فلمّا لم يأت قال له : ألك عليه شهادة ؟ قال :

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين في الرياض : « والذي لم يكن رآه قبل ذلك الوقت يتوهّم أنه مكفوف البصر » 1 / 228 . ( 2 ) في الرياض : [ أبو محمد بن أبي زيد ] ولم يرد ذكر « عبد اللّه » 1 / 227 .