ابن شداد

مقدمة 24

الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة

وهكذا عاش الرجل موفور الكرامة ، مكفي المؤونة منذ شبابه حتى آخر أيامه ، في رعاية الملوك والسلاطين ، خلال نصف قرن كان من أقسى ما مر على الأمة الإسلامية ، فقد شهد هجمات التتر وبربريتهم ، وعرف تخريب المدن ، وقتل الآمنين من أطفال ونساء من أقصى فارس إلى حدود الشام البعيدة ، لم يغادروا بناء شامخا أو سلطانا عامرا ؛ وإنما لطخوا الجدران والمساجد بأيديهم الملوثة الوحشية ، وكدروا المياه وصبغوا الترب بدماء الأبرياء من المسلمين ، وعرف كذلك هجمات الغربيين باسم الصليبية ، فاحتلوا الممالك وزعزعوا السلطان ، وبلبلوا حال الشعوب ، وبعثوا الخوف والفزع ، ولم يذكر التاريخ الإنساني ضيقا كهذا الضيق قد لف الممالك العربية من شرق وغرب ، وأعمل معوله في تهديمها لعلها تقضي إلى غير رجعة ، ويشاء اللّه أن تبقى خالدة تقف للأعاصير ، وتصمد للمطامع على مرّ الزمان . أجل على مقربة من هذه الأحداث والكوارث التي ألمت بالعالم الإسلامي عاش العز ابن شداد شاهد عيان ، يعرف دقائقها وتفصيل أمورها ، حتى جاوز السبعين من عمره ، فأصابه الهرم والإعياء ، ودبّ إليه الفناء ، فقضى يوم الأربعاء 17 صفر سنة 674 ه بمصر ، ودفن في سفح جبل المقطم بالقاهرة ، غريبا ، بعيدا عن أهله ووطنه ، ولكنه ترك في مسمع التاريخ دويا لا ينسى ، وأثرا لا يمحى هو كتابه « الأعلاق » ، « 1 » * * * ثقافة ابن شداد وأعماله السلطانية وآثاره تثقف ابن شداد بثقافة عصره التي سادت القرن السابع الهجري ، وهي ثقافة عمادها القرآن الكريم وعلومه ، والحديث وعلومه ، واللغة

--> ( 1 ) « الأعلاق الخطيرة : 2 / 1 - مقدمة الناشر م 23 - م 24 » .