النووي

784

تهذيب الأسماء واللغات

ومما ذكر في مفاخرها إسلام السحرة ، وكانوا خلائق ، في لحظة واحدة : قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ [ الأعراف : 121 ] . قوله في باب مواقيت الحج من « المهذب » : لما فتح المصران أتوا عمر رضي اللّه تعالى عنه ، يعني : ليحدّ لهم ميقاتا . المصران بكسر الميم والنون : تثنية مصر ، وهو البلد الكبير العظيم ، والمراد بهما : الكوفة والبصرة . المقام : مقام إبراهيم خليل اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، هو في المسجد الحرام قبالة باب البيت ، وهو موضع معروف ، هذا مراد الفقهاء بقولهم : يصلي ركعتي الطواف خلف المقام ، وشبه ذلك من ألفاظهم . وأما المفسرون فقد اختلفوا فيه اختلافا كثيرا منتشرا . وقد قدّمنا عن ابن عباس وابن عمرو بن العاص في باب الحاء في المواضع ، أنهما قالا : الحجر الأسود والمقام من الجنّة . قال أبو الوليد الأزرقي في ذرع المقام : ذراع ، قال : وهو مربع ، سعة أعلاه أربعة عشر أصبعا في أربعة عشر أصبعا ، ومن أسفله مثل ذلك . وفي طرفيه من أعلاه وأسفله طوقان من ذهب ، وما بين الطوقين من الحجر من المقام بارز بلا ذهب عليه ، طوله من نواحيه كلها تسع أصابع ، وعرضه عشر أصابع عرضا في عشر أصابع طولا ، وعرض حجر المقام من نواحيه إحدى وعشرون أصبعا ، ووسطه مربّع ، والقدمان داخلتان في الحجر تسع أصابع ، ودخولهما منحرفتان ، وبين القدمين من الحجر أصبعان ، ووسطه قد استدق من التمسّح به . والمقام في حوض من ساج مربّع حوله رصاص ، وعلى الحوض صفائح رصاص ملبّس به ، وعلى المقام صندوق ساج مسقّف ، ومن وراء المقام ملبّس بساج في الأرض ، في طرفيه سلسلتان تدخلان في أسفل الصندوق ، ويقفل عليهما فيهما قفلان . وهذا الموضع الذي فيه المقام اليوم هو الموضع الذي كان فيه في الجاهلية ، ثم في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وبعده ، ولم يغير من موضعه ، إلا أنه جاء سيل في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ، يقال له : سيل أم نهشل ، لأنه ذهب بأم نهشل بنت عبيدة بن أبي أحيحة ، فماتت فيه ، فاحتمل ذلك السيل المقام من موضعه هذا ، فذهب إلى أسفل مكة ، فأتي به ، فربطوه في أستار الكعبة في وجهها ، وكتبوا بذلك إلى عمر ، فأقبل عمر رضي اللّه تعالى عنه من المدينة فزعا ، فدخل بعمرة في شهر رمضان ، وقد غبي « 1 » موضعه ، وعفّاه السيل ، فجمع عمر الناس ، وسألهم عن موضعه ، وتشاوروا عليه حتى اتفقوا على موضعه الذي كان فيه ، فجعل فيه ، وعمل عمر الرّدم لمنع السيل ، فلم يعله سيل بعد ذلك إلى الآن . وروى الأزرقي : أن موضع المقام الذي هو فيه الآن هو موضعه في الجاهلية ، وفي زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي اللّه تعالى عنهما ، وكان ذهب به السيل في خلافة عمر ، فقدم عمر فردّه إلى موضعه بمحضر من الناس . وروي نحو هذا عن عروة ابن الزبير وآخرين . وبعث أمير المؤمنين المهدي ألف دينار لينصبوا بها المقام ، وكان قد انثلم ، ثم أمر المتوكّل أن يجعل عليه ذهب فوق ذلك الذهب ، أحسن من ذلك العمل ، فعمل في مصدر الحاج سنة ست وثلاثين ومائتين ، فهو الذهب الذي عليه اليوم ، وهو فوق الذي عمله المهدي ، واللّه تعالى أعلم . مكة : زادها اللّه تعالى شرفا وفضلا ، هي أفضل الأرض عند الشافعي وجماعات من العلماء ، وبعدها المدينة ، وعند مالك : المدينة أفضل ثم

--> ( 1 ) أي : خفي وعفا أثره .