النووي

774

تهذيب الأسماء واللغات

في الماء أربع لغات : ماء ملح ومالح ومليح وملاح ، قال الإمام أبو سليمان الخطابي في كتابه « الزيادات في شرح ألفاظ مختصر المزني » : الجواب عن اعتراض هذا المعترض أن اللغة تعطي اللفظين كما قال الشاعر : ولو تفلت في البحر والبحر مالح * لأصبح طعم البحر من ريقها عذبا وقال آخر : وللرزق أسباب تروح وتغتذي * وأتى منها بين غاد ورائح قنعت بثوب العدم من حلّة الغنى * ومن بارد عذب زلال بمالح قال الخطابي : فيه ثلاث لغات : ماء ملح ومالح وملاح ، كما قالوا : أجاج وزعاق وزلال ، قال : والكل جائز ، قال : وإنما نزل من اللغة العالية إلى التي هي أدنى للإيضاح والبيان ، وحسما للإشكال والالتباس ، لئلا يتوهم متوهم أنه أراد بالملح المذاب ، فيظن أن الطهارة به جائزة . هذا كلام الخطابي . وأنشد أصحابنا في مالح بيتا لمحمد بن [ أبي ] حازم : تلوّنت ألوانا عليّ كثيرة * ومازج عذبا من إخائك مالح وأنشدوا على مليح قول خالد بن يزيد في رملة بنت الزبير : ولو وردت ماء وكان قبيلة * مليحا شربنا ماءه باردا عذبا فهذا الذي ذكرناه هو الجواب الصحيح . وذكروا جوابا ثانيا : أن الشافعي إمام في اللغة ، فقوله فيها حجة . وجوابا ثالثا : أن هذه اللفظة ليست من كلام الشافعي ، وإنما هي من كلام المزني وغيّر عبارة الشافعي ، وهذا الجواب ليس بشيء ، وكيف ينسب الخطأ إلى المزني ، وعنه مندوحة ، وقولهم : ولم يذكر الشافعي هذا ، ليس بصحيح ، وقد أنكره الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي الشافعي ، فقال في رسالته إلى الشيخ أبي محمد الجويني : إن أكثر أصحابنا ينسبون الغلط في هذا إلى المزني ويزعمون أن هذه اللفظة لم توجد للشافعي ، قال البيهقي : وقد سمّى الشافعي البحر مالحا في كتابين : أحدهما في « أمالي الحج » في مسألة كون صيد البحر حلالا للمحرم ، والثاني في « المناسك الكبير » . وذكر البيهقي أيضا هذين النصين في كتابه كتاب « رد الانتقاد على ألفاظ الشافعي » . قال البيهقي : وذكر الإمام أبو منصور الأزهري محمد بن عبد اللّه الفقيه الأديب ، قال : أخبرني أبو عمر غلام ثعلب ، قال : سمعت ثعلبا يقول : كلام العرب : ماء مالح وسمك مالح ، وقد جاء عن العرب : ماء ملح . قال أبو منصور : وإذا حكى ثعلب هذا عن العرب كان حجّة ، قال أبو منصور : وسألت أبا حامد الجارولجي صاحب « التكملة » عن قول الشافعي : ماء مالح ، فقال : صحيح جائز ، تقول : ماء ملح ومالح ، وكلاهما لغة . قال البيهقي : وفيما حكى أبو منصور الحمشاذي في كتابه عن أبي محمد بن درستويه صاحب المبرد قال : ويقال : ماء مالح وملح . قال أبو منصور : وسألت أبا العلاء الحسن بن كوشاد ، وهو أوحد أهل عصره أدبا وفصاحة عن هذا ، فقال : يقال : ماء ملح ، إذا كان أصله ملحا ، ومالح إذا مازجته ملوحة . قال البيهقي : وقد روينا في « السنن الكبير »