النووي

763

تهذيب الأسماء واللغات

الكاذبين ، وإنما اختير لفظ اللّعن على لفظ الغضب ، وإن كانا موجودين في اللّعان ، لكون اللّعنة متقدمة في الآية الكريمة ، وفي الواقع من صورة اللّعان ، وقيل : يجوز أن يكون سمي لعانا : لما فيه من الطرد والإبعاد لكل واحد منهما عن صاحبه ، ووقوع الحرمة المؤبدة ، بخلاف المطلّق والمظاهر والمولي ، واللّه تعالى أعلم . وقوله في « المهذب » في باب صلاة الاستسقاء : وقال مجاهد في قوله تعالى : وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [ البقرة : 159 ] ، قال : دواب الأرض تلعنهم ، هذا الذي قاله أحد الأقوال في الآية ، وقال ابن عباس : اللاعنون كل شيء إلا الجن والإنس ، قال أهل العربية : وإنما قال اللّه تعالى : اللاعنون بالواو والنون ، ولم يقل : اللاعنات ، لأنه وصفها بصفة من يعقل ، فجمعها جمع من يعقل ، كما قال اللّه تعالى : أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [ يوسف : 4 ] ، يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [ النمل : 18 ] ، وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [ فصلت : 21 ] ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ الأنبياء : 33 ] ، وقال قتادة : هم الملائكة ، وقال عطاء : الجن والإنس . وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من أخفر مسلما فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين » « 1 » ذكره في فصل الأمان من كتاب السير من « المهذب » ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « اتقوا الملاعن الثلاث : البراز في الموارد ، والظّل ، وقارعة الطريق » « 2 » ، سميت ملاعن لأن الناس يلعنون فاعل ذلك ، فهي مواضع لعن ، واللّه تعالى أعلم . واللّعان مصدر لاعن يلاعن ، وجعل اللّعان المعروف حجة للمضطر إلى قذف من لطّخ فراشه وألحق العار به ، وسمي لعانا لاشتماله على كلمة اللعن . قال إمام الحرمين : وخصت بهذه التسمية : لأن اللّعن كلمة غريبة في مقام الحجج من الشهادات والأيمان ، والشيء يشتهر بما يقع فيه من الغريب ، وعلى ذلك جرى معظم تسميات سور القرآن ، ولم يسم بما يسبق من لفظ الغضب ، لأن الغضب يقع في جانب المرأة ، وجانب الرجل أقوى لأن لعانه يسبق لعانها ، وقد ينفكّ عن لعانها ، ولا ينعكس . قال الرافعي : قالت طائفة من أصحابنا : كل ملعون مغضوب عليه ، ولا ينعكس ، وقد ورد باللّعان الكتاب والسنة ، وأجمعت عليه الأمة ، وفيمن نزلت آية اللعان بسببه خلاف أوضحته في « شرح الوسيط » . وروينا في « صحيح مسلم » ( 2597 ) عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعّانا » . وما يجوز من اللعن وما يحرم ، ولعن أصحاب الصفات ، فقد أوضحته في أواخر كتاب « الأذكار » في الألفاظ التي ينهى عنها ، فينقل إلى هنا ملخصا . واختلف العلماء في اللّعان ما هو ؟ فمذهبنا المشهور الذي نص عليه الشافعي رضي اللّه تعالى عنه وجمهور الأصحاب : أن اللعان يمين . وقال أبو حنيفة : شهادة . وقال القاضي حسين في « تعليقه » : اختلفوا في اللعان ، والأصح أنه يمين ، وقيل : يمين أكّدت بالشهادة ، وقيل : يمين مشوبة بشهادة ، وقيل : شهادة أكدت باليمين ، وقال إمام

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في « الأوسط » ( 5628 ) من حديث عائشة ، وسنده ضعيف . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 26 ) ، وابن ماجة ( 328 ) .