النووي
729
تهذيب الأسماء واللغات
للفاعلين ، فزعموا أن اللّه تعالى يخلق الخير ، وأن العبد يخلق الشر ، جل اللّه تعالى عن قولهم الباطل . قال إمام الحرمين وغيره من متكلمي أصحابنا ، وابن قتيبة من أئمة أصحاب اللغة : اتفقنا نحن وهم على ذم القدرية ، وهم يسموننا قدرية لإثبات القدر ، ويموّهون بذلك ، وهذا جهل منهم ومباهتة ، بل هم المسمّون بذلك لأوجه : أحدها : النصوص الصريحة في القرآن والسنة الصحيحة المشهورة في إثبات القدر . والثاني : أن الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم فمن بعدهم من السلف لم يزالوا على الإيمان بإثبات القدر ، وإغلاظ القول على من ينفيه . وفي أول « صحيح مسلم » « 1 » عن ابن عمر قال : أخبروهم أني بريء منهم ، وأنهم برآء مني ، حتى يؤمنوا بالقدر كله خيره وشره . والثالث : أنا أثبتناه للّه تعالى ، وهم زعموه لأنفسهم وادّعوا أنهم مخترعون لأفعالهم ، ولم يتقدم بها علم ، فمن أثبته لنفسه كان بأن ينسب إليه أولى ممن نفاه عن نفسه وأثبته لغيره ، وهذا الثالث هو قول ابن قتيبة ، ثم إمام الحرمين رحمهما اللّه تعالى ، واللّه تعالى أعلم . قول اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] اختلف في معناه على ثلاثة أقوال ، أصحها وأشهرها أن معناها : أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منجّما في أوقات مختلفة ، في ثلاث وعشرين سنة ، أو عشرين ، أو خمس وعشرين ، على حسب الاختلاف في مدة إقامته صلّى اللّه عليه وسلم بمكة بعد النبوة . والثاني معناه : أنزل في عشرين ليلة قدر من عشرين سنة ، فكان ينزل إلى السماء الدنيا في كل سنة ما يريد اللّه تعالى إنزاله في السماء منجّما ، ثم ينزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في السنة منجّما . والثالث معناه : ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ، ثم نزل في جميع الأوقات من جميع السنين . روى الحاكم أبو عبد اللّه في « المستدرك على الصحيحين » ( 2 / 399 ) عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة . قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ، ورواه من طريق آخر بمعناه ، وقال : صحيح على شرطهما . وحكى الواحدي وغيره القول الثاني عن مقاتل ، وقاله أيضا الإمام أبو عبد اللّه الحليمي . والقول الثالث حكاه الماوردي عن الشعبي ، وهو ضعيف مخالف لما صح عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، ومحله من القرآن بالمرتبة المعروفة . وقوله في أول باب المسابقة في الحديث : « حقّ على اللّه تعالى أن لا يرتفع من هذه القذرة شيء إلا وضعه » . ذكر جماعات ممن شرح ألفاظ « المهذب » ، منهم أبو القاسم بن التّوّزي وابن باطيش وغيرهما ، أنه القدرة بضم القاف وبالدال المهملة ، قالوا : والقدرة هي بمعنى المقدور ، كالخلقة بمعنى المخلوق ونظائره . قال : وروي أيضا بفتح القاف وبالذال المعجمة ، أي : المستقذرة ، وتكون الإشارة إلى زينة الدنيا به . وروى أبو داود هذا الحديث في أول كتاب الأدب من « سننه » ( 4802 ، 4803 ) بلفظين ، أحدهما : « حقّ على اللّه تعالى أن لا يرفع شيئا إلا وضعه » ، والثاني : « أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه » .
--> ( 1 ) برقم ( 8 ) بنحوه .