النووي

662

تهذيب الأسماء واللغات

تعالى أعلم . وقد قال الشافعي والأصحاب في قول اللّه تعالى : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [ النساء : 102 ] إلى آخر الآية ، المراد بالطائفة التي يصلي بها الإمام ثلاثة فصاعدا ، وكذلك الطائفة التي تكون في وجه العدو ، والمراد بهم ثلاثة فصاعدا . قال الشافعي والأصحاب : ويكره أن يصلى صلاة الخوف بأقل من ستة سوى الإمام ، ثلاثة منهم خلفه ، وثلاثة في وجه العدو ، وهكذا نص عليه الشافعي في « مختصر المزني » واتفق أصحابنا عليه ، قالوا : فإن خالف أساء ، وكره كراهة تنزيهية ، وصحت صلاتهم . واعترض أبو بكر بن داود على الشافعي رضي اللّه تعالى عنهم ، وقال : قوله : أقل الطائفة ثلاثة ، خطأ ، لأن الطائفة في الشرع واللغة تطلق على واحد ، أما اللغة فحكى ثعلب عن الفرّاء أنه قال : مسموع عن العرب أن الطائفة : الواحد ، وأما الشارع فقد احتج الشافعي في قبول خبر الواحد بقوله تعالى : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ، فحملها على الواحد . وأجاب أصحابنا عن اعتراضه بأجوبة : أحدها وهو المشهور والراجح أن يسلّم له : أن الطائفة يجوز أن تطلق على واحد ، وإنما قال الشافعي في الخوف : يستحب أن لا تكون الطائفة أقلّ من ثلاثة ؛ لقوله تعالى في الطائفة الأولى : وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ، وقال سبحانه وتعالى في الطائفة الأخرى : وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ فعبر عنهم بضمير الجمع في هذه المواضع كلها وأقل الجمع ثلاثة ، وأما الطائفة في الآية التي استشهد بها فإنما حملناها على الواحد بالقرينة : وهو أن الإنذار يحصل بالواحد ، وفي آية الزّنى حملناها على أربعة ، لأن المقصود إظهار ذلك في ملأ من الناس ، فلا يحصل بواحد ، ولأنها البيّنة التي يثبت بها الزّنى . فإن قيل : فقد قال سبحانه وتعالى : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ فأعاد ضمير الجمع ، فالجواب : أن الجمع عائد إلى الطوائف التي تجتمع من الفرق ، واللّه تعالى أعلم . قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنها من الطّوّافين عليكم أو الطّوافات » ، قال الهروي في تفسير هذا الحديث : قال أبو الهيثم : الطائف : الخادم الذي يخدمك برفق ، وجمعه : الطوّافون ، وقال صاحب « المحكم » : الطوافون : الخدّام والمماليك . وقال الإمام أبو سليمان الخطابي : يتأول هذا الحديث على وجهين ، أحدهما : أن يكون شبّهها بخدم البيت وبمن يطوف على أهله للخدمة ومعالجة المهنة ، والآخر : أن يكون شبّهها بمن يطوف للحاجة والمسألة ، يريد أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للحاجة ويتعرض للمسألة . وقال صاحب « المطالع » : أي : من المتكررين ، وما لا ينفك عنه ، ولا يقدر على التحفّظ منه ، والطائف : المتكرّر بالخدمة الملاطف فيها ، قال : وقوله : « أو الطوافات » : يحتمل الشك ، ويحتمل ذكر الصّنفين من الذّكور والإناث . قلت : ويشبه أن يكون معنى الحديث - واللّه أعلم - أن الطوافين من الخدم والصغار الذين سقط الحجاب في حقّهم للضرورة بكثرة مداخلتهم ، بخلاف غيرهم من الأحرار التابعين ، فهكذا يسقط حكم النجاسة في الهرّة بخلاف غيرها من