النووي
626
تهذيب الأسماء واللغات
إلى الأصل وأجراه كالمثل ، قلت : ومراد سيبويه رحمه اللّه تعالى أنه اسم معرفة لا ينصرف ، إذا لم يضف للعلمية وزيادة الألف والنون ، ولهذا لم يصرفه الأعشى ، ومنهم من يصرفه ويجعله نكرة كما تقدم في البيت السابق ، واللّه تعالى أعلم . قلت : هذا أصل هذه الكلمة ، ثم إنها يؤتى بها للتعجب ، ومن ذلك قول اللّه عزّ وجل : سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [ النور : 16 ] ، قال أبو القاسم الزمخشري : « سبحانك » هنا للتعجب من عظم الأمر ، قلت : فإن قيل : فما معنى التعجب في كلمة التسبيح ؟ قلنا : الأصل في ذلك أن يسبّح اللّه تعالى عند رؤية العجيب من صنائعه ، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجّب منه . قلت : ومنه الحديث الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال للمغتسلة من الحيض : « خذي فرصة من مسك فتطهّري بها » ، قالت : كيف أتطهر بها ؟ قال : « سبحان اللّه ! تطهّري بها » « 1 » ، وفي الحديث الآخر في الصحيح : أن أبا هريرة لما سأل عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فاغتسل ثم جاء ، وقال : كنت جنبا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « سبحان اللّه ! إن المؤمن لا ينجس » « 2 » ، ومعنى الحديثين : التعجب من خفاء هذا الأمر الذي لا يخفى ، ومثله ما حكاه في أول باب العدد من « المهذب » عن الوليد بن مسلم قال : قلت لمالك ابن أنس رحمه اللّه تعالى : حديث جميلة عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها : لا تزيد المرأة على السنتين في الحمل ، قال مالك : سبحان اللّه ! من يقول هذا ؟ هذه امرأة محمد بن عجلان جارتنا تحمل أربع سنين . أراد مالك رحمه اللّه تعالى التعجّب من إنكار هذا الأمر مشاهدة المحسوس ، ونظائر ما ذكرنا كثيرة . وكذلك يقولون في التعجب : لا إله إلا اللّه ! وممن ذكر هذين اللفظتين في ألفاظ التعجب من النحويين الإمام أبو بكر بن السّراج رحمه اللّه تعالى في كتابه « الأصول » ، واللّه تعالى أعلم . وقوله في السجود من « المهذب » : يقول : سبّوح قدّوس ، فيهما لغتان مشهورتان أفصحهما وأكثرهما : ضم أولهما وثانيهما ، والثانية : فتح أولهما مع ضم ثانيهما . قال الجوهري : سبّوح من صفات اللّه تعالى ، قال ثعلب : كل اسم على فعول ، فهو مفتوح الأول إلا السّبّوح والقدّوس ، فإن الضم فيهما أكثر ، وكذلك الذّرّوح . وقال ابن فارس في « المجمل » : سبّوح : هو اللّه عزّ وجل ، وكذلك قاله الزّبيدي في « مختصر العين » ، فحصل خلاف في أنه اسم للّه تعالى أو صفة من صفاته . وتسمية هذا خلافا يحرم على [ قول ] بعض أصحابنا المتكلمين من أن صفاته سبحانه وتعالى لا يقال : هي الذات ولا غيرها ، ويكون المراد بالسّبوح والقدوس : المسبّح والمقدّس ، فكأنه قال : مسبّح مقدّس ربّ الملائكة والروح عزّ وجل ، واللّه تعالى أعلم . والسّبحة : بضم السين وإسكان الباء : خرز منظومة يسبّح بها ، معروفة يعتادها أهل الخير ، مأخوذة من التسبيح . والمسبّحة : بضم الميم وفتح السين وكسر الباء المشددة : الإصبع السّبابة ، وهي التي تلي الإبهام ، سميت بذلك لأن المصلّي يشير بها إلى التوحيد والتّنزيه للّه سبحانه وتعالى عن الشرك ، قال
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 314 ) ، ومسلم ( 332 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 285 ) ، ومسلم ( 371 ) .