النووي
400
تهذيب الأسماء واللغات
خلّى سبيله . وكان ابن هبيرة عاملا على العراق في زمن بني أمية . وعن أبي بكر بن عياش ، قال : ضرب أبو حنيفة على القضاء . وعن الربيع بن عاصم ، قال : أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة فقدمت بأبي حنيفة ، فأراده على بيت المال فأبى ، فضربه أسواطا . وعن يحيى بن عبد الحميد ، عن أبيه ، قال : كان أبو حنيفة كل يوم أو يومين من الأيام يضرب ليدخل في القضاء فيأبى ، ولقد بكى في بعض الأيام ، فلما أطلق قال لي : كان غمّ والدتي أشد علي من الضّرب . وعن إسماعيل بن سالم البغدادي ، قال : أكره أبو حنيفة على الدخول في القضاء ، فلم يقبل . قال : وكان أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك بكى وترحم على أبي حنيفة . وبإسناده عن بشر بن الوليد الكندي ، قال : أشخص المنصور أبو جعفر أمير المؤمنين أبا حنيفة ، يعني من الكوفة إلى بغداد ، فأراده على أن يوليه القضاء ، فأبى ، فحلف عليه ليفعلن ، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل ، فحلف المنصور ليفعلن ، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل ، فقال الربيع الحاجب : ألا ترى أمير المؤمنين يحلف ، قال أبو حنيفة : أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني . فأمر به إلى السجن في الوقت . والصحيح أنه توفي وهو في السجن . وبإسناده عن مغيث قال : قال خارجة بن مصعب « 1 » : دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة إلى القضاء ، فأبى عليه ، فحبسه ثم دعا به ، فقال : أترغب عما نحن فيه ؟ فقال أبو حنيفة : أصلح اللّه أمير المؤمنين ، لا أصلح للقضاء . فقال له : كذبت . ثم عرض عليه الثانية ، فقال أبو حنيفة : قد حكم علي أمير المؤمنين أني لا أصلح للقضاء ، لأنه نسبني إلى الكذب ، فإن كنت كذابا فلا أصلح للقضاء ، وإن كنت صادقا فقد أخبرت أمير المؤمنين أني لا أصلح . فردّه في الحبس . وبإسناده عن الربيع بن يونس قال : رأيت أمير المؤمنين المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء ، وهو يقول : اتق اللّه ولا تشرك في أمانتك إلا من يخاف اللّه ، واللّه ما أنا مأمون الرضا ، فكيف أكون مأمون الغضب ؟ ! ولا أصلح لذلك . فقال له : كذبت ، أنت تصلح . فقال : قد حكمت على نفسك ، فكيف يحلّ لك أن تولي قاضيا على أمانتك وهو كذّاب . وقيل : إنه قعد في القضاء يومين وبعض الثالث ، فلما كان أبو حنيفة بعد يومين اشتكى ، فمرض ستة أيام ثم توفي . وقال أبو نعيم : كان أبو حنيفة حسن الوجه ، حسن الثياب ، طيّب الريح ، حسن المجلس ، كثير الكرم ، حسن المواساة لإخوانه . وقال أبو يوسف : كان أبو حنيفة ربعة من الرجال ، ليس بالقصير ولا بالطويل ، وكان أحسن الناس منطقا ، وأحلاهم نغمة ، وأنبههم على ما تريد . وقال محمد بن جعفر ابن إسحاق عن عمر بن حماد بن أبي حنيفة : كان أبو حنيفة طوالا ، تعلوه سمرة ، وكان لبّاسا حسن الهيئة ، كثير التعطر ، يعرف بريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من منزله . وقال أبو حنيفة : قدمت البصرة ، وظننت أني لا أسأل عن شيء إلا أجبت فيه ، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب ، فجعلت على نفسي أن لا أفارق حمادا حتى يموت ، فصحبته ثماني عشرة سنة . وقال أبو حنيفة : ما صليت صلاة منذ مات
--> ( 1 ) في المطبوع : « خارجة بن يزيد » وهو خطأ ، والصواب ما أثبتنا .