النووي
36
تهذيب الأسماء واللغات
نافِلَةً لَكَ [ الإسراء : 79 ] ، وفي « صحيح مسلم » ( 746 ) عن عائشة ما يدل عليه . ومنه وجوب مصابرته العدوّ وإن كثروا وزادوا على الضّعف . ومنه قضاء دين من مات وعليه دين لم يخلف وفاءه ، وقيل : كان يقضيه تكرما لا وجوبا ، والأصحّ عند أصحابنا أنه كان واجبا . وقيل : يجب عليه صلّى اللّه عليه وسلم إذا رأى شيئا يعجبه أن يقول : لبيك إن العيش عيش الآخرة ! ومن هذا الضرب في النكاح أنه أوجب عليه تخيير نسائه بين مفارقته واختياره . وقال بعض أصحابنا : كان هذا التخيير مستحبا . والصحيح وجوبه ، فلما خيّرهنّ اخترنه والدار الآخرة ، فحرم عليه التزوج عليهن ، والتبدّل بهن مكافأة لهن على حسن صنيعهن ، قال اللّه تعالى : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ [ الأحزاب : 52 ] ، ثم نسخ لتكون المنّة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بترك التزوج عليهن ، فقال تعالى : إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ الآية [ الأحزاب : 50 ] . واختلف أصحابنا : هل حرم طلاقهن بعد الاختيار ؟ فالأصحّ : أنه لم يحرم ، وإنما حرم التبدل ، وهو غير مجرد الطلاق . الضرب الثاني : ما اختص به من المحرمات عليه ليكون الأجر في اجتنابه أكثر ، وهو قسمان : أحدهما : في غير النكاح ، فمنه : الشّعر والخطّ . ومنه الزكاة ، وفي صدقة التطوع قولان للشافعي ، أصحّهما : أنها كانت محرمة عليه . وأما الأكل متكئا وأكل الثّوم والبصل والكرّاث فكانت مكروهة له غير محرمة في الأصح . وقال بعض أصحابنا : محرمات . وكان يحرم عليه إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل . وقيل : كان مكروها ، والصحيح عند أصحابنا تحريمه ، وقال بعض أصحابنا تفريعا على هذا : أنه كان إذا شرع في تطوع لزمه إتمامه . وهذا ضعيف . وكان يحرم عليه مدّ العين إلى ما متّع به الناس من زهرة الدنيا ، وحرم عليه خائنة الأعين ، وهي الإيماء برأس أو يد أو غيرهما إلى مباح ، من قتل أو ضرب أو نحوها ، على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال . وكان لا يصلي أولا على من مات وعليه دين لا وفاء له ، ويأذن لأصحابه في الصلاة عليه ، واختلف أصحابنا هل كان يحرم عليه الصلاة أم لا ؟ ثم نسخ ذلك ، وكان يصلي عليه ، ويوفي دينه من عنده . القسم الثاني : في النكاح ؛ فمنه إمساك من كرهت نكاحه ، والصحيح عند أصحابنا تحريمه ، وقال بعضهم : كان لا يفارقها تكرما ، ومنه : نكاح الكتابية ، والأصح عند أصحابنا أنه كان محرما عليه ، وبه قال ابن سريج ، وأبو سعيد الإصطخري ، والقاضي أبو حامد المرورّوذي . وقال أبو إسحاق المروزي : ليس بحرام . ويجري الوجهان في التّسرّي بالأمة الكتابية ، ونكاح الأمة المسلمة ، لكن الأصح في التسرّي بالكتابية الحل ، وفي نكاح الأمة المسلمة التحريم . وأما الأمة الكتابية فقطع الجمهور بأن نكاحها كان محرّما عليه ، وطرّد الحنّاطي الوجهين ، وفرّع الأصحاب هنا تفريعات لا أراها لائقة بهذا الكتاب . الضرب الثالث : التخفيفات والمباحات ؛ وما أبيح له صلّى اللّه عليه وسلم دون غيره نوعان : أحدهما : لا يتعلق بالنكاح ، فمنه : الوصال في الصوم ، واصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة من جارية وغيرها ، ويقال لذلك المختار : الصّفيّ والصّفيّة ، وجمعها صفايا . ومنه : خمس الخمس في الفيء والغنيمة ، وأربعة أخماس الفيء ، ودخول