النووي
359
تهذيب الأسماء واللغات
رأيت في الناس مثله . وقال أحمد بن حنبل : يحيى بن معين رجل خلقه اللّه لهذا الشأن ، يظهر كذب الكذابين ، وكل حديث لا يعرفه يحيى ليس بحديث . وقال عباس الدّوري : رئي أحمد بن حنبل في مجلس روح بن عبادة يسأل يحيى بن معين عن أشياء ، يقول له : يا أبا زكريا كيف حديث كذا وكذا ؟ كيف حديث كذا وكذا ؟ يستثبته في أحاديث سمعوها ، فكلّ ما قال يحيى كتبه أحمد . وقال هارون بن بشير الرازي : رأيت يحيى بن معين استقبل القبلة رافعا يديه ، يقول : اللهم إن كنت تكلمت في رجل ليس هو عندي كذابا ، فلا تغفر لي . وقال يحيى : لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما علقناه . وروينا عن أحمد بن عقبة ، قال : سمعت يحيى ابن معين يقول : كتبت بيدي هذه ست مائة ألف حديث . قال ابن عقبة : وأظن المحدثين كتبوا له ست مائة ألف وست مائة ألف . وقال محمد بن عبد اللّه : خلّف يحيى من الكتب مائة قمطر وأربعة عشر قمطرا وأربعة جباب مملوءة كتبا . وقال علي ابن المديني : ما أعلم أحدا كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين ، وخلّف والده معين ليحيى ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم ، أنفقها كلها في الحديث ، حتى لم يبق له نعل يلبسها . وذكر ابن أبي حاتم في أول كتابه « الجرح والتعديل » بإسناده عن أبي عبيد القاسم بن سلّام ، قال : انتهى العلم إلى أربعة : أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وهو أكتبهم له ، وعلي ابن المديني ، وأبي بكر بن أبي شيبة . وقال أبو حاتم : كتب يحيى بن معين عن موسى بن إسماعيل قريبا من ثلاثين ألف حديث . وأحواله وفضائله رضي اللّه عنه غير منحصرة . واتفقوا على أنه توفي بمدينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وغسل على السرير الذي غسل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وحمل على السرير الذي حمل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ونودي عليه : هذه جنازة يحيى بن معين ، ذابّ الكذب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، والناس يبكون ، واجتمع في جنازته خلائق لا يحصون ، ودفن في البقيع . قال إبراهيم بن المنذر : رأى رجل في المنام النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه مجتمعين ، فقال : ما لكم مجتمعين ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : جئت لهذا الرجل أصلي عليه ، فإنه كان يذبّ الكذب عن حديثي . وقال بشر بن مبشر : رأيت يحيى بن معين في المنام فقال : زوّجني عزّ وجل أربع مائة حوراء بذبّي الكذب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ورثاه الشعراء وأحسنوا المراثي ، ومن أحسنها ما ذكره ابن أبي حاتم ، فقال : قال سليمان بن معبد يرثي يحيى بن معين رحمه اللّه ، وذكر صدر القصيدة ثم قال : لقد عظمت في المسلمين رزيّة * غداة نعى النّاعون يحيى فاسمعوا وقالوا بأنا قد دفنّاه في الثرى * فكاد فؤادي حسرة يتصدّع فقلت ولم أملك بعيني عبرة * ولا جزعا : إنا إلى اللّه نرجع ألا في سبيل اللّه عظم رزيّتي * بيحيى إلى من نستريح ونفزع ومن ذا الذي يؤتى فيسأل بعده * إذا لم يكن للناس في العلم مقنع لقد كان يحيى في الحديث بقيّة * من السلف الماضين حين تقشّعوا فلما مضى مات الحديث بموته * وأدرج في أكفانه العلم أجمع وصرنا حيارى بعد يحيى كأننا * رعيّة راع بثّهم فتصدّعوا