النووي
33
تهذيب الأسماء واللغات
دائمين إلى يوم الدين . ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه ، قال : ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كفّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا شممت رائحة قطّ أطيب من رائحة رسول اللّه ، ولقد خدمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي قطّ : أف ، ولا قال لشيء فعلته : لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلت كذا « 1 » . فصل [ في معجزاته ] لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم معجزات ظاهرات ، وأعلام متظاهرات ، تبلغ ألوفا ، وهي مشهورات ، فمنها : القرآن ، المعجزة الظاهرة ، والدلالة الباهرة ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، الذي أعجز البلغاء في أفصح الأعصار ، وأعياهم أن يأتوا بسورة منه ، ولو استعانوا بجميع الخلق . قال اللّه تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ الإسراء : 88 ] فتحدّاهم صلّى اللّه عليه وسلم بذلك مع كثرتهم وفصاحتهم وشدة عداوتهم إلى يومنا هذا . وأما المعجزات غيره ، فلا يمكن حصرها أبدا لأنها كثيرة جدا ، ومتجدّدة متزايدة ، ولكن أذكر منها أمثلة : كانشقاق القمر ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وتكثير الماء والطعام ، وتسبيح الطعام ، وحنين الجذع ، وتسليم الحجر ، وتكليم الذّراع المسمومة ، ومشي الشجرة إليه ، واجتماع الشجرتين المتباعدتين ورجوعهما إلى مكانهما ، ودرور الشاة الحائل ، وردّه عين قتادة بن النعمان بعد أن ندرت وصارت في يده إلى مكانها ، فلم تكن تعرف بعد ذلك ، وتفله في عيني علي ، وكان أرمد ، فبرئ من ساعته ، ومسحه رجل عبد اللّه بن عتيك فبرئت في الحال . وإخباره بمصارع المشركين يوم بدر : « هذا مصرع فلان » ، فلم يعدوا مصارعهم ، وإخباره بقتله أبيّ بن خلف ، وإخباره بأن طائفة من أمته يغزون البحر ، وأن أمّ حرام منهم ، فكان كذلك ، وبأنه يفتح على أمته ما زوي له من مشارق الأرض ومغاربها . وبأن كنوز كسرى تنفقها أمته في سبيل اللّه عزّ وجل ، وبأنه يخاف على أمته ما يفتح عليهم من زهرة الدنيا ، وبأن خزائن فارس والروم تفتح لنا ، وبأن سراقة بن مالك يسوّر بسواري كسرى . وبأن الحسن بن علي يصلح اللّه بن بين فئتين عظيمتين من المسلمين . وبأن سعد بن أبي وقاص يعيش حتى ينتفع به أقوام ويضرّ به آخرون . وبأن النجاشي « مات يومكم هذا » وهو بالحبشة . وبأن الأسود العنسيّ « قتل ليلتكم هذه » وهو باليمن . وبأن المسلمين يقاتلون التّرك صغار الأعين عراض الوجوه ذلف الأنوف . وبأن اليمن تفتح عليكم والشام والعراق . وبأن المسلمين يجنّدون ثلاثة أجناد : جندا بالشام ، وجندا باليمن ، وجندا بالعراق . وبأنهم يفتحون مصر أرضا يذكر فيها القيراط « فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمّة ورحما » ، وبأن أويسا القرني « يقدم عليكم في أمداد أهل اليمن ، كان به برص ، فبرئ منه إلا قدر درهم » فقدم كذلك على عمر . وبأن طائفة من أمته على الحق . وبأن الناس يكثرون وبأن الأنصار يقلون ، وبأن الأنصار يلقون بعده أثرة . وبأن الناس لا يزالون يسألون حتى يقولوا : هذا خلق اللّه . . . الحديث . وبأن رويفع بن ثابت تطول به الحياة ، وبأن عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية . وبأن هذه الأمة ستفترق ، وبأنه سيكون بينهم قتال . وبأنه ستخرج نار من أرض الحجاز . . . وأشباه هذا ، فوقعت كلّها كما ذكر صلّى اللّه عليه وسلم واضحة جليّة .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3561 ) ، ومسلم ( 2330 ) .