النووي
201
تهذيب الأسماء واللغات
ومناقبه كثيرة مشهورة ، بل قلّ نظيره في المتابعة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في كل شيء من الأقوال والأفعال ، وفي الزهادة في الدنيا ومقاصدها ، والتطلع إلى الرياسة وغيرها . روينا عن الزهري ، قال : لا يعدل برأي ابن عمر ، فإنه أقام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ستين سنة فلم يخف عليه شيء من أمره ولا من أمر الصحابة . وعن مالك ، قال : أقام ابن عمر ستين سنة تقدم عليه وفود الناس . وروينا عن الإمام البخاري في كتابه « كتاب رفع اليدين في الصلاة » قال : قال جابر بن عبد اللّه : لم يكن أحد منهم ألزم لطريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا أتبع من ابن عمر . وفي « صحيحي » البخاري ( 7015 ) ومسلم ( 2478 ) عن ابن عمر ، قال : رأيت في المنام كأن في يدي قطعة إستبرق ، وليس مكان أريد من الجنة إلا طارت إليه ، فقصصته على حفصة ، فقصّته على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أرى عبد اللّه رجلا صالحا » . وفي رواية في « الصحيحين » : « إن أخاك رجل صالح » أو « إن عبد اللّه رجل صالح » . وكان ابن عمر كثير الصدقة ، فربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفا . قال نافع : كان ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله تقرّب به إلى اللّه تعالى ، وكان رقيقه قد عرفوا ذلك منه ، فربما لزم أحدهم المسجد ، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه ، فيقول له أصحابه : إنهم يخدعونك . فيقول : من خدعنا باللّه انخدعنا له . قال نافع : ولقد رأيتنا ذات عشية وراح ابن عمر على نجيب له قد أخذه بمال ، فلما أعجبه سيره أناخه بمكان ، ثم نزل عنه ، فقال : انزعوا عنه زمامه ورحله ، وأشعروه وجلّلوه ، وأدخلوه في البدن . وكان كثير الحج . قال نافع : سمعت ابن عمر وهو ساجد في الكعبة يقول : قد تعلم يا ربّ ما يمنعني من مزاحمة قريش إلا خوفك . قال : وكان إذا قرأ هذه الآية : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [ الحديد : 16 ] بكى حتى يغلبه البكاء . وقال ابن عمر : البرّ شيء هيّن ، وجه طلق وكلام ليّن . ولم يقاتل في الحروب التي جرت بين المسلمين . وروينا أن ابن عمر كاتب عبدا له على خمسة وثلاثين ألف درهم ، ثم حط عنه منها خمسة آلاف درهم . وكان ابن عمر يسرد الصوم ، وهو أحد الصحابة الساردين للصوم ، منهم : عمر ، وابنه ، وأبو طلحة ، وحمزة بن عمرو ، وعائشة . روينا في « صحيح مسلم » ( 2069 ) عن عبد اللّه مولى أسماء ، قال : أرسلتني أسماء إلى ابن عمر ، فقالت : بلغني أنك تحرّم أشياء ثلاثة : العلم في الثوب ، وميثرة الأرجوان ، وصوم رجب كلّه . فقال ابن عمر : أما ما ذكرت من صوم رجب فكيف بمن يصوم الأبد ؟ ! واعلم أن ابن عمر أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهم ستة : أبو هريرة ، ثم ابن عمر ، ثم أنس ، وابن عباس ، وجابر ، وعائشة . وهو أحد العبادلة الأربعة ، وقد سبق بيانهم في ترجمة عبد اللّه بن الزبير . قال البخاري : أصح الأسانيد مطلقا : مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر . ويسمى هذا الإسناد مشبك الذهب . قال أبو منصور التميمي : فعلى هذا أصحّها : الشافعي ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن