النووي

134

تهذيب الأسماء واللغات

المتأخرين الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهورة ، كالشيخ أبي حامد والمحاملي - يعني الماوردي - والقاضي أبي الطيّب وشبههم ، فلو لا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم هذه . قال الشيخ : والذي أجيب به بعد الاستخارة والاستعانة باللّه تعالى أن داود يعتبر قوله ويعتدّ به في الإجماع ، إلا فيما خالف فيه القياس الجليّ وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه ، أو بناه على أصوله ، التي قام الدليل القاطع على بطلانها ، فاتفاق من سواه على خلافه إجماع منعقد ، وقوله المخالف حينئذ خارج من الإجماع ، كقوله في التغوط في الماء الراكد ، وتلك المسائل الشنيعة ، وقوله : لا ربا إلا في الستّة المنصوص عليها ، فخلافه في هذا وشبهه غير معتدّ به ؛ لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه ، والاجتهاد على خلاف الدليل القاطع مردود ، وينتقض حكم الحاكم به . قال الشيخ : وهذا الذي اخترته ميل إلى أن منصب الاجتهاد يتجزأ ، ويكون الشخص مجتهدا في نوع دون نوع . قال : ولا فرق فيما ذكرنا بين زمن داود وما بعده ، فإن المذاهب لا تموت بموت أصحابها ، واللّه عزّ وجل أعلم . سمع داود الظاهري سليمان بن حرب ، وعمرو ابن مرزوق ، والقعنبيّ ، ومسدّدا ، وطبقتهم . ورحل إلى نيسابور ، فسمع إسحاق بن راهويه . قال الخطيب والسّمعاني وغيرهما : وكان زاهدا ورعا ناسكا ، وفي كتبه حديث كثير ، لكن الرواية عنه عزيزة . روى عنه : ابنه أبو بكر محمد بن داود ، وزكريا الساجي ، وآخرون . قال أبو عبد اللّه المحاملي : رأيت داود يصلي ، فما رأيت مصلّيا يشبهه في حسن تواضعه . وروى الخطيب عن أبي عمرو المستملي ، قال : رأيت داود الظاهري يرد على إسحاق بن راهويه ، وما رأيت أحدا قبله ولا بعده يردّ عليه هيبة له . 158 - الدّجّال عدو اللّه : تكرر في هذه الكتب ، وذكر في « التنبيه » وغيره في باب الإيلاء . بفتح الدال ، وهو المسيح الكذاب ، سمي دجالا لتمويهه ، والدّجل : التمويه والتغطية ، يقال : دجّل فلان : إذا موّه ، ودجّل الحقّ : غطاه بباطله . وحكى ابن فارس عن ثعلب نحو ما ذكرناه . وحكى عنه غيره أنه سمي دجالا لكذبه ، وكل كذاب دجال ، وجمعه : دجالون . وفي « صحيح مسلم » ( 7 ) وغيره أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يكون في آخر الزمان دجّالون كذّابون » . وسمي مسيحا لأنه يمسح الأرض كلّها إلا مكة والمدينة ، أي : يطؤها . وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة بالأمر بالاستعاذة من فتنته ، وأنها من أعظم الفتن ، وأنه ما من نبي إلا وقد أنذره قومه ، وأنه أعور العين اليمنى ، وجاء : أعور اليسرى . قال العلماء : عيناه معيبتان ، إحداهما : طافئة ، بالهمز ، ذاهبة النّور عمياء لا يبصر بها شيئا ، والثانية : طافية ، بلا همز ، أي : ناتئة جحراء كأنها عنبة طافية ، لكنه يبصر بها ، ويمكث في الأرض أربعين يوما : يوم كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامنا . ومكتوب بين عينيه : ك ف ر ، وأنه يتبعه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطّيالسة ، وأن عيسى عليه السلام ينزل من السماء فيقتل الدجال بباب لدّ ، البلدة المعروفة بقرب بيت المقدس . وكل هذه الألفاظ ثابتة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في « صحيح مسلم » ، وبعضها في « البخاري » أيضا ، والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة جدا ، وكان السّلف يستحبون أن يلقّن الصبيان أحاديث الدجال