ابن أبي أصيبعة

8

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

مبلغ عمر أبيه ، فأعلمه أن عمره مائة وخمس سنين ، لم يتغير عقله ، ولم ينقص علمه . فقال عبد اللّه : عاش " حكم " نصف التاريخ . قال " يوسف بن إبراهيم " : وحدثني " عيسى بن حكم " عن أبيه ، أن جده أعلمه ، أنه كان حمى " عبد الملك بن مروان " من شرب الماء ، في علته التي توفى فيها . وأعلمه أنه متى شرب الماء قبل نضج علته توفى . فاحتمى عن الماء يومين وبعض الثالث . قال : فإني عنده لجالس وعنده بناته ، إذ دخل عليه " الوليد " ابنه ، فسأله عن حاله ، وهو يتبين في وجه " الوليد " السرور بموته ، فأجابه بأن قال : ومستخبر عنا يريد بنا الردى * ومستخبرات والدموع سواجم وكان استفتاحه النصف الأول ، وهو مواجه له وليد ، ثم واجه البنات عند قوله النصف الثاني ، ثم دعا بالماء فشربه ، فقضى من ساعته . قال " يوسف " : وحدثني " عيسى " أنه ركب مع أبيه " حكم " بمدينة دمشق ، إذ اجتازوا بحانوت حجام ، قد وقف عليه بشر كثير . فلما بصر بنا بعد الوقوف ، قال : أفرجوا ، هذا " حكم " المتطبب ، و " عيسى " ابنه . فأفرج القوم ، فإذا رجل قد أفصده الحجام العرق الباسليق ، وقد فصده فصدا واسعا . وكان الباسليق على الشريان ، فلم يحسن الحجام تعليق العرق ، فأصاب الشريان . ولم يكن عند الحجام حيلة في قطع الدم ، واستعملنا الحيلة في قطعه بالبرفايد ونسج العنكبوت والوبر ، فلم ينقطع ذلك . فسألني والدي عن حيلة ، فأعلمته أن لا حيلة عندي . فدعا بفستقة فشقها ، وطرح ما فيها ، وأخذ أحد نصفى القشر فجعله على موضع الفصد . ثم أخذ حاشية غليظة من ثوب كتان غليظ ، فلف بها موضع الفصد على قشر الفستقة لفّا شديدا ، حتى كان يستغيث المفتصد من شدته .