ابن أبي أصيبعة
487
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
فاحملوه إليه ، وإن تجدد لكم شئ فاستعملوه منه ما تقتضيه « 1 » المصلحة الحاضرة . فمضوا ولم يقبلوا منه ، قصدا منهم أن يحددوا تدبيرا من جهتهم . . فلما حددوا ذلك التدبير تغير عليه مزاجه « 2 » فاستدعاهم واستدعى بشيخه الحكيم المذكور ، وأخذ يحاققهم عليها . فكان من جملة ما فيها بزر هندبا وقد حذفوه ، فقال لهم : لما ذا حذفتم هذا البزر ؟ . وهو مقو للكبد ، منقّ للعروق ، قاطع للعطش . فقال أحد الأطباء الذين حضروا : واللّه ما للمماليك في حذفه ذنب ، إلا أن " الأسعد بن أبي الحسن " نقل في بزر الهندباء نقلا شاذّا ، بأنه يضر بالطحال . المملوك واللّه ما يعرفه ، وزعم بأن بمولانا طحالا ، فولفته المماليك على ذلك . فقال : واللّه يكذب ، أنا ما بي وجع طحال ، وأمرهم بإعادة بزر الهندبا إلى مكانه . ثم حاققهم على منفعة دواء دواء ، من مفردات ذلك المشروب التي حذفوها ، إلى أن أعادوها ، وأعاد استعماله دائما ، ولم يزل منتفعا به شاكرا له . ومن حكاياته : أنه طلب منه يوما أن يركب له صلصا يأكل به اليخنى في الأسفار ، واقترح عليه أن يكون مقويّا للمعدة منبها للشهوة ، وهو مع ذلك ملينا للطبع . فركب له صلصا هذه صفته : يؤخذ من البقدونس جزءا ومن الريحان الترنجانى جزءا ، وقلوب الأترج الغضة المحلاة بالماء والملح أياما ، ثم بالماء الحلو أخيرا ، من كل واحد نصف جزء ، يدق في جرن الفقاعي ، كل منهم بمفرده ، حتى يصير مثل المرهم ، ثم يخلط الجميع في الجرن المذكور ، ويعصر عليه الليمون الأخضر المنتقى « 3 » ، ويذر عليه شيئا من الملح
--> ( 1 ) في ه : تجدوا فيه . ( 2 ) في و : عليهم . ( 3 ) في ه ، و : المنتهى .