ابن أبي أصيبعة

433

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

الطب : إن أول من مثلت بين يديه من الخلفاء ، وأنعم على ، الآمر بأحكام اللّه ، وذلك أن أبى كان طبيبا في خدمته ، وكان مكينا عنده ، رفيع المنزلة في أيامه . قال : وكنت صبيّا في ذلك الوقت ، فكان أبى يهب لي في كل يوم دراهم وأجلس عند باب الدار التي لنا ، وأفصد جماعة في كل نهار ، حتى تمرنت « 1 » ، وصارت لي دربة جيدة في الفصد ، وكنت قد شدوت شيئا من صناعة الطب ، فذكرني أبى عند " الآمر " « 2 » ، وأخبره بما أنا عليه ، وأنني أعرف صناعة الفصد ، ولى دربة جيدة بها ، فاستدعانى ، فتوجهت إليه وأنا بحالة جميلة من الملبوس الفاخر ، والمركوب الفاره المتحلى ، بمثل الطوق « 3 » الذهب ، وغيره . وإنني لما دخلت إليه القصر ، مشيت مع أبي حتى صرنا بين يديه ، فقبلت الأرض وخدمت ، وقال لي : افصد هذا الأستاذ « 4 » ، وكان واقفا بين يديه ، فقلت السمع والطاعة ، ثم جئ بطست فضة ، وشددت عضده « 5 » ، وكانت له عروق بينة الظهور ، ففصدته وربطت موضع الفصاد ، فقال لي : أحسنت . وأمر لي بأنعام كثيرة ، وخلع فاخرة ، وصرت من ذلك الوقت مترددا إلى القصر ، وملازما للخدمة ، وأطلق لي من الجاري ما يقوم بكفايتى ، على أفضل الأحوال التي أوملها ، وتواترت على من الهبات ، والإطلاقات الشئ الكثير . وحدثني " أسعد الدين عبد العزيز بن أبي الحسن " « 6 » : أن الشيخ

--> ( 1 ) في ه : تميزت . ( 2 ) في ه : الأمير . ( 3 ) في ه : بالطوق . ( 4 ) في ه : الإنسان . ( 5 ) في ه : عروقه . ( 6 ) في أ : سعد الدين بن ، وفي ه : أسعد الدين بن .