ابن أبي أصيبعة

39

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

فلما حصلت معه في الطارمة ، وجدت من الحر أمرا عظيما ، فضحك وأمر لي بغلالة قصب ، وتقدم يكشف جوانب الطارمة ، فإذا مواضع لها شبابيك خشب بعد شبابيك حديد ، وكوانين فيها فحم الغضا ، وغلمان ينفخون ذلك الفحم بالزقاق كما " تكون للحدادين " « 1 » . ثم دعا بطعامه ، فأحضروا ما جرت به العادة في السر والنظافة ، وأحضرت فراريج بيض شديدة البياض ، فبشعتها وخفت أن تكون غير نضيجة ، ووافى الطباخ فنفضها فانتفضت ، فسألته عنها ، فقال : هذه تعلف الجوز المقشر ، وتسقى اللبن الحليب . وكان " بختيشوع بن جبريل " ، يهدى البخور « 2 » في درج ، ومعه درج آخر فيه فحم ، يتخذ من قضبان الأترج « 3 » والصفصاف « 4 » وشنس « 5 » الكرم ، المرشوش عليه إحراق ماء الورد المخلوط بالمسك « 6 » والكافور ، وماء الخلاف والشراب العتيق ، ويقول : أنا أكره أن أهدى بخورا بغير فحم ، فيفسده فحم العامة ، « ويقال » « 7 » هذا عمل " بختيشوع " . وحدث " أبو محمد بدر بن أبي الإصبع " ، عن أبيه ، عن " أبى عبد الله محمد بن الجراح " عن أبيه « 8 » ، قال : إن المتوكل قال يوما لبختيشوع : دعني ! فقال : السمع والطاعة ؛ فقال : أريد أن يكون ذلك غدا . قال : نعم وكرامة ! وكان الوقت صانفا وحره شديد . فقال " بختيشوع " لأتباعه « 9 » وأصحابه : أمرنا كله مستقيم إلا الخيش ، فإنه ليس لنا منه ما يكفى ، فأحضر وكلاءه وأمرهم بابتياع كل ما يوجد من الخيش بسرّمن‌رأى « 10 » ، ففعلوا ذلك ، وأحضروا كل من « 11 »

--> ( 1 ) في ج ، د : " يكون للحداد " . ( 2 ) البخور : نبات اه ساق طويلة ، وله زهر أحمر كالورد ، ومنه الأصفر ، وهو يلقى في النار ، ويمسك دخانه في المكان ، فيعطى رائحة جيدة ، ويكثر في إفريقيا . انظر : كتاب التنوير للحسن بن نوح القمرى : 49 ، الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 1 / 115 - 117 . ( 3 ) الأترج : نبات طيب الرائحة ، له شوك ولونه كالذهب ، وقشره حار يابس ، ودهنه ينفع للاسترخاء ، وينفع من لدغ العقارب . ويحلل الأورام ، ويقوى اللثة ، وهاضم للطعام ، ومسخن للمعدة ، ويقوى المعدة والأحشاء ، ويكثر وجوده بالجزيرة العربية . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية : 1 / 13 - 15 . ( 4 ) الصفصاف : نوع من نبات الخلاف ، وله صنفان ( الأحمر والأبيض ) ، ويثمر في أواخر الربيع ثمرا دقيق ، وهو نافع للجراحات التي تقع في العظام ، وماؤه يسكن الصداع . انظر : المرجع السابق : 1 / 340 ، الأدوية المفردة لابن سينا : 153 . ( 5 ) في ج ، د : " شوش " . ( 6 ) المسك : يخرج من سرة الظباء التي ترعى سنبل الطيب ، ويستخرج من سررها بعد صيدها ، ثم تترك مدة حتى يصير الدم مسكا ، وخير أنواعه ما خرج منها بعد أن تحك الظباء سرتها في صخرة ، فيخرج الدم منها ، وطبعه حار يابس ، وينفع في علاج الصداع إذا جعل مع الزعفران ، ويقوى القلب . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية : 2 / 445 ، الأدوية المفردة : 93 . ( 7 ) في أ : " ويقول " ، والمثبت من ج ، د . ( 8 ) ساقط في ج ، د . ( 9 ) في أ : " لآبائه " ، طبعة مولر : " لأعوانه " ، والمثبت من ج ، د . ( 10 ) سامراء : مدينة قديمة كانت بين بغداد وتكريت ، شرقي نهر دجلة بالعراق ، ولكنها خربت ، ورأى المعتصم بالله أن يبنيها لما رأى ضيق بغداد عن جنوده ، وبدأ في ذلك منذ سنة 221 ه ، ونقل الجند إليها ، وانتقل هو أيضا وسكنها ، وظلت عامرة في عهد المعتصم والواثق والمنتصر ، وبها قبر الإمام علي بن محمد بن موسى بن جعفر ، وابنه الحسن بن علي العسكري ، وبها قبور بعض الخلفاء . منهم : " الواثق " ، و " المتوكل " ، و " المنتصر " ، و " المعتز " ، و " المهتدى " ، و " المعتمد على الله " . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 3 / 195 . ( 11 ) في ج : " كلما " .