ابن أبي أصيبعة
37
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
ونقلت من بعض التواريخ : أن " بختيشوع بن جبرائيل " كان عظيم المنزلة عند " المتوكل " ثم إن " بختيشوع " أفرط في إدلاله عليه ؛ فنكبه وقبض أملاكه ، ووجه به إلى مدينة ( السلام ) . وعرض للمتوكل بعد ذلك قولنج ، فاستحضره " المتوكل " واعتذر إليه وعالجه وبرأ ، فأنعم عليه ، ورضى عنه ، وأعاد ما كان له ، ثم جرت على " بختيشوع " حيلة أخرى فنكبه نكبة قبض فيها جميع أملاكه ووجه به إلى ( البصرة ) ، وكان سبب الحيلة عليه أن " عبد الله " استكتب " المنتصر " ، " أبا العباس الحصيني " وكان رديئا ، فاتفقا على قتل " المتوكل " ، واستخلاف " المنتصر " . وقال " بختيشوع " للوزير : كيف استكتب " المنتصر " ، " الحصيني " ، وأنت تعرف رداءته ؟ فظن " عبد الله " أن " بختيشوع " ، قد وقف على التدبير ، فعرف الوزير ما قاله له " بختيشوع " ، وقال : أنتم تعلمون كيف محبة " بختيشوع " له ، وأحسب أنه يبطل التدبير ، فكيف الحيلة ؟ فقال " المنتصر " : إذا سكر الخليفة فخرق ثيابك ولوثها بالدم ، وادخل إليه فإذا قال ما هذا ، فقل : " بختيشوع " ضرب بيني وبين أخي ، فكاد أن يقتل بعضنا بعضا ، وأنا أقول يا أمير المؤمنين ، يبعد عنهم فإنه يقول : افعلوا فتنفيه ، فإلى أن يسأل عنه قد فرغنا من الأمر ، ففعل ذلك ونكب ، وقتل " المتوكل " . ولما استخلف " المستعين " رد " بختيشوع " إلى الخدمة ، وأحسن إليه إحسانا كثيرا ، ولما ورد الأمر إلى ابن عبد الله محمد بن الواثق " ، وهو المهتدى ، جرى على حال " المتوكل " في أنسه بالأطباء وتقديمه إياهم ، إحسانه إليهم . وكان " بختيشوع " لطيف المحل من " المهتدى بالله " ، وشكا " بختيشوع " إلى " المهتدى " ما أخذ منه في أيا " المتوكل " ، فأمر بأن يدخل إلى سائر الخزائن فكل ما اعترف به فيرد إليه بغير استثمار ولا مراجعه ، فلم يبق له شئ إلا أخذه ، وأطلق له سائر ما فاته ، وحاطه كل الحياطة . وورد على " بختيشوع " كتاب من صاحبه بمدينة السلام ، يصف فيه أن " سليمان بن عبد الله بن طاهر " قد تعرض له لمنازله ، فعرض " بختيشوع " الكتاب على " المهتدى " بعد صلاة العتمة : فأمر بإحضار " سليمان بن وهب " ، في ذلك الوقت ، فحضر وتقدم إليه بأن يكتب من حضرته إلى " سليمان بن عبد الله " ، بالإنكار عليه لما اتصل به من وكيل " بختيشوع " ، وأن يتقدم إليه بإعزاز منازله وأسبابه بأوكد ما يكون . وأنفذ الكتاب من وقته مع أخص خدمه إلى مدينة ( السلام ) ، وقال " بختيشوع " للمهتدى من وقته مع آخر من حضر الدار يا أمير المؤمنين : ما اقتصدت ولا شربت الدواء منذ أربعين سنة ، وقد حكم المنجمون بأنى أموت في هذه السنة ولست أغتم لموتى ، وإنما غمى لمفارقتكم ، فكلمه " المهتدى " بكلام جميل ، وقال : فلما انصرف كان آخر العهد به . وقال " إبراهيم بن علي الحصري " في كتاب " نور الطرف ونور الظرف " أنه تنازع " إبراهيم بن المهدى " و " بختيشوع " الطبيب بين يدي " أحمد بن أبي دؤاد " ، في مجلس الحكم ، في عقار بناحية السواد ، فأربى عليه " إبراهيم " وأغلظ له ؛ فغضب لذلك " أحمد بن أبي دؤاد " ، وقال : يا إبراهيم ، إذا تنازعت في مجلس الحكم بحضرتنا أمرا فليكن قصدك أمما ، وطريقك نهجا ، وريحك ساكنة ، وكلامك معتدلا ، ووف مجالس الخليفة