ابن أبي أصيبعة

11

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

قال قينون : ولما كان في سنة مائة واثنتين وخمسين سنة ، مرض " جورجس " مرضا صعبا ، وكان الخليفة يرسل إليه في كل يوم الخدم ، حتى يعرف خبره . ولما اشتد ( مرض جورجس ) « 1 » أمر به الخليفة ، فحمل على سرير إلى دار العامة ، وخرج إليه الخليفة ماشيا ، ورآه وسأله عن خبره ، فبكى " جورجس " بكاء شديدا ، وقال له : إن رأى أمير « 2 » المؤمنين ، أطال الله بقاءه أن يأذن لي بالمصير إلى " بلدي لأنظر إلى " « 3 » أهلي وولدى ، وإن مت ( قبرت ) « 4 » مع آبائي . فقال الخليفة : يا جورجس ، اتق الله وأسلم وأنا أضمن لك الجنة . فقال جورجس : أنا على دين آبائي أموت ، وحيث يكون آبائي أحب أن أكون ، إما في الجنة أو في جهنم . فضحك الخليفة من قوله ، وقال له : وجدت راحة عظيمة في ( جسدي ) « 5 » منذ رأيتك وإلى هذه الغاية ، وتخلصت من الأمراض التي كانت تلحقني « 6 » ، فقال " جورجس " : إنّي أخلف بين يديك " عيسى " ، وهو تربيتى . فأمر الخليفة أن يخرج " جورجس " إلى بلده ، وأن يدفع إليه عشرة آلاف دينار ، وأنفذ معه خادما . وقال : إن مات في طريقه فاحمله إلى منزله ليدفن هناك كما آثر « 7 » ، فوصل إلى بلده حيا . وحصل " عيسى بن شهلا " في الخدمة ، وبسط يده على ( المطارنة ) « 8 » والأساقفة ، وأخذ أموالهم لنفسه ، حتى إنه كتب إلى " مطران نصيبين " « 9 » كتابا ، يلتمس منه فيه من آلات البيعة أشياء جليلة المقدار ، ويتهدده متى أخرها عنه ، وقال في كتابه إلى المطران : ألست تعلم أن أمر الملك بيدي إن شئت أمرضته ، وان شئت عافيته . وعندما وقف المطران على الكتاب احتال في التوصل ، حتى وافى " الربيع " ، وشرح له صورته ، وأقرأه الكتاب . فأوصله " الربيع " إلى الخليفة حتى عرف شرح ما جرى ، فأمر بنفي " عيسى بن شهلا " « 10 » ، بعد ما أخذ منه ( كل ) « 11 » ما ملكه . ثم قال الخليفة للربيع : سل عن " جورجس " ، فإن كان حيا فأنفذ من يحضره ، وإن كان قد مات فأحضر ابنه . فكتب " الربيع " إلى العامل بجنديسابور في ذلك .

--> ( 1 ) في ك : " مرض " . ( 2 ) ساقط في ج ، د . ( 3 ) ساقط في ج ، د . ( 4 ) في ك : " قبرى " . ( 5 ) في أ ، ج ، د : " جسمي " ، والمثبت من ك . ( 6 ) في ج ، د : " ستلحقنى " . ( 7 ) في ج ، د : " أمر " . ( 8 ) في ج ، د : " النصارى " ، أ " المضاربة " والمثبت من ك . ( 9 ) هو مار إلياس ، ونصيبين مدينة تركية ، فتحها المسلمون بقيادة " عياض بن غنم " في عهد " عمر بن الخطاب " سنة 17 ه - 639 م . وينسب إليها من العلماء : أبو القاسم النصيبي " الحسن بن علي بن الوثاق بن الصلب " ، وغيره . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 5 / 233 ، مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 2 / 87 . ( 10 ) ساقط في ج ، د . ( 11 ) في أ ، ج ، د : " جميع " ، والمثبت من ك .