حميد بن أحمد المحلي
11
الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية
قد أفهمته خبرته ، وانتظمته تجربته ، فلو غيّب عن العاقل اللبيب كل أمر عجيب مما فطر عليه المفطرون ، وقصر عن الإحاطة بخبره العالمون ، لكان فيما طبع عليه في ذات نفسه ، وما يمر به في يومه وأمسه : من الفقر والغنى ، والسراء والضراء ، والأخذ والعطاء ، والبذل والإكداء ، وكثرة السكوت وطول الصموت ، والإكثار في المنطق والهذر ، وسرعة القلق ، والجد والهزل ، وغلبة الجهل على العقل ، له أشغل شاغل عن الفكرة في خلائق الإنسان ، وتضاد ما يختلف فيه من الجهل والعرفان ، والموثوق منها معروف ، والمعلّى منها مشغوف ، فمن جنح إلى الأقل كبح واستوجل « 1 » ، وذمّ غب المصدر ، وكان من أمره على خطر ، وأندمته آخرته لما قد دلته على علمه أوليته ، وليس بحكيم من مال إلى الأمر المذموم . والخيلاء بالفضل مجانب لسبيل العقل ، ومن جعل غيره لعينه نصبا ، وأظهر على من سواه في سيّئ أفعاله عتبا ، وكان الذي فيه لطالب عثرته أعتب « 2 » ، كان الواجب عليه أن يكون على نفسه أعتب ، لأن من استنكر أمرا من غيره يرضى في نفسه بمثله فقد دل على جهله ، ومن سهى عما يعنيه كان ما لا يعنيه أجدر أن لا يؤاتيه « 3 » . وقال عليه السّلام : وإن من المنكرات في من يسم نفسه بميسم الخيرات أن يضرب بطرفه صاعدا ، ويكون على غيره واجدا ، ولزناده زاندا ، كأنه قد تهذب من الأدناس ، وأمن معتبة « 4 » الناس ، واستقام على سوق الريادة للمستريد ، أو ما عرف المعدوم من الموجود ، والخير من الشر ، والنفع من الضر ، والحر من القر ، حيث سلك في أحشائه ، واتصل بحواسه وأجزائه ، ثم أدّته الأركان إلى الأركان ، والروح إلى الجثمان ، ثم صرفته تلك العوارض الخاطرة ، والنوازل السائرة
--> ( 1 ) في ( أ ) فاستوجل . ( 2 ) في ( أ ) أعيب . ( 3 ) مجموع رسائل الإمام القاسم 2 / 297 - 298 . ( 4 ) في ( أ ) مغيبة .