حميد بن أحمد المحلي

376

الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية

فمضى لوجهه ولم يشعر هرثمة حتى قرب منه ، وحمل أبو السرايا عليه ، فصاح هرثمة : يا أهل الكوفة ، علام تسفكون دماءنا ودماءكم ؟ إن كان قتالكم إيانا كراهة لإمامنا فهذا المنصور بن المهدي رضا لنا ولكم نبايعه ، وإن أحببتم إخراج الأمر من ولد العباس فانصبوا إمامكم ، واتفقوا معنا ليوم الاثنين نتناظر فيه ، ولا تقتلوا أنفسكم ، فأمسك أهل الكوفة عن الحملة ، وناداهم أبو السرايا : ويحكم إن هذه خديعة من هؤلاء الأعاجم ، وإنما أيقنوا بالهلاك فاحملوا عليهم ، فامتنعوا وقالوا : لا يحل لنا قتالهم وقد أجابوا ، فغضب أبو السرايا وانصرف معهم وقد أراد قبل ذلك إجابة هرثمة ، وأن يمضي إليه مع محمد بن محمد بن زيد فيستأمن ، ثم خشي الغدر به ، فلما كان في يوم الجمعة خطب أهل الكوفة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا أهل الكوفة ، يا قتلة علي ، ويا خذلة الحسين ، إن المغتر بكم لمغرور ، وإن المعتمد على نصركم المخذول ، وإن الذليل لمن أعززتموه ، والله ما حمد عليّ أمركم فنحمده ، ولا رضى مذهبكم فنرضى به ، ولقد حكّمكم عليه ، وائتمنكم فخنتم أمانته ، ووثق بكم فحلتم عن ثقته ، ثم لم تنفكوا عليه مختلفين ، ولطاعته ناكثين ، إن قام قعدتم ، وإن قعد قمتم ، وإن تقدّم تأخرتم ، وإن تأخر تقدمتم ، خلافا عليه وعصيانا لأمره ، حتى سبقت فيكم دعوته ، وخذلكم الله بخذلانكم إياه ، أي عذر لكم في الهرب عن عدوكم ، والنكول عمن لقيتم ؟ وقد عبروا خندقكم وعلوا قبائلكم ، ينتهبون أموالكم ، ويجتاحون حريمكم ، هيهات لا عذر إلا العجز والمهانة ، والرضا بالصغار والذلة ، إنما أنتم كفيء الظل تهزمكم الطبول بأصواتها ، وتملأ قلوبكم الخرق بسوادها ، أما والله لأستبدلن بكم قوما يعرفون الله حق معرفته ، ويحفظون محمدا في عترته ، ثم قال : وما رست أقطار البلاد فلم أجد * لكم شبها فيما وطئت من الأرض خلافا وجهلا وانتشار عزيمة * ووهنا وعجزا في الشدائد والخفض لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة * فلا عنكم راض ولا فيكم مرضي