حميد بن أحمد المحلي

139

الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية

ونوّره بالحكمة ، ومرّنه على الزهد ، وقوّه باليقين ، وذلّله بالموت ، وقرره بالفناء ، وبصره فجائع الدنيا ، وحذره صولة الدهر ، وفحش تقلب الأيام والليالي ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكّره ما أصاب من قبلك ، وسر في ديارهم وآثارهم ، وانظر ما فعلوا ، وأين حلوا ، وعمّا انقلبوا ؟ فإنك تجدهم انقلبوا عن الأحبة ، ونزلوا دار الغربة ، فكأنك عن قليل صرت كأحدهم ، فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف ، والنظر في ما لم تكلّف ، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ، فإن الوقوف عند حيرة الطريق خير من ركوب الأهوال ، وأمر بالمعروف ، وكن من أهله ، وأنكر المنكر بلسانك ويدك ، وباين من فعله بجهدك ، وجاهد في الله حق جهاده ، ولا يأخذك في الله لومة لائم . وفي رواية أخرى : وعوّد نفسك الصبر على المكروه ، ونعم الخلق الصبر « 1 » ، وألجئ نفسك في أمورك كلها إلى إلهك ، فإنك تلجئها إلى كهف حريز ، ومانع عزيز ، واخلص المسألة لربك ، فإن في يديه العطاء والحرمان ، وأكثر من الاستخارة ، واحفظ وصيتي . ومن هاهنا اتفقت الروايتان : ولا تذهبن عنك صفحا ، فإن خير القول ما نفع . واعلم يا بني أنه لا غناء بك عن حسن الارتياد ، وبلاغ الزّاد ، مع خفة الظهر ، فلا تحمل على ظهرك فوق بلاغك ، فيكون عليك ثقلا ووبالا ، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل زادك فيوافيك به حيث ما تحتاج إليه فاغتنمه ، فإن أمامك عقبة كئودا لا محالة ، وإن مهبطها يكون على جنة أو على نار ، فارتد يا بني لنفسك قبل نزولك ، وأحسن إلى غيرك كما تحب أن يحسن إليك ، واستقبح لنفسك ما تستقبحه من غيرك ، وارض من الناس بما ترضى لهم ، ولرب بعيد أقرب من قريب ، والغريب من ليس له حبيب ، ولربّما أخطأ البصير قصده ،

--> ( 1 ) في الأمالي والنهج : التصبر .