حميد بن أحمد المحلي
133
الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية
الأطباء ، لم ينفعه شفاؤك « 1 » ، ولم تغن عنه طلبتك ، مثّلت لك ويحك الدنيا بمضجعه مضجعك ، حين لا يغني بكاؤك ، ولا ينفع أحباؤك « 2 » . وروى السيد أبو طالب عليه السّلام هذه الرواية بطريق أخرى ، وذكر أنهما لا تختلفان إلّا في أحرف يسيرة . وفيها قال : ثم التفت إلى أصحابه ، فقال : عباد الله ، انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها والله عن قليل تزيل الثاوي الساكن ، وتفجع المترف الآمن ، لا يرجع ما تولى منها فأدبر ، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر ، سرورها مشوب بالحزن ، وآخر الحياة فيها إلى الضعف والوهن ، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها ، لقلة ما يصحبكم منها ، رحم الله عبدا تفكّر فاعتبر ، وأبصر فازدجر ، وعاين إدبار ما أدبر ، وحضور ما حضر ، فكأنّ ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن ، وكأن ما هو كائن من الآخرة لم يزل ، وكل ما هو آت قريب ، واعلموا أنه إنما أهلك من كان قبلكم خبث أعمالهم لمّا لم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك . فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، فإن ذلك لن يقدّم أجلا ، ولن يؤخّر رزقا ، فإذا رأى أحدكم نقصا في نفس أو أهل أو مال ورأى لأخيه صفوة فلا يكونن ذلك فتنة له ، فإن المسلم البريء من الخيانة ، ما لم يخش دناءة يخشع لها إذا ذكرت ، ويغرى بها لئام الناس كان كالفالج الذي ينتظر أول فوزة من قداحه ، تذهب عنه المغرم ، وتوجب له المغنم . وكذلك المرء المسلم ينتظر إحدى الحسنيين ، إما رزقا من الله تعالى ، فإذا هو ذو أهل ومال ، ومعه دينه وحسبه ، وإما داعي الله فما عند الله خير للأبرار ، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والعمل الصالح حرث الدنيا وقد يجمعهما الله لأقوام « 3 » . وروينا من كتاب جلاء الأبصار عن الحاكم رحمه الله تعالى بإسناده إلى أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر صاحب أبي عثمان الجاحظ قال : كان الجاحظ يقول لنا
--> ( 1 ) في ( ج ) : شفاعتك . ( 2 ) الأمالي 273 ، ونهج البلاغة 709 رقم 131 باختلاف يسير . ( 3 ) الأمالي 374 .