حميد بن أحمد المحلي
124
الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية
جميع أمورك تنجو مع الناجين غدا ، يا غلام ، إن تزرع هذا الكلام نصب عينيك ينفعك الله به ، ثم أطلق عنان البغلة من يده ، وقرص بطنها بعقبه ، فجعلت أقفو أثره ، إذ دخل سوقا من أسواق البصرة ، فسمعته عليه السّلام يقول : يا أهل البصرة ، يا أهل البصرة ، يا أهل المؤتفكة ، يا أهل تدمر - أربعا - إذا كنتم بالنهار ، الدنيا تخدمون ، وبالليل على فراشكم تتقلبون ، وفي خلال ذلك عن الآخرة تغفلون ، فمتى ترمون الزاد ؟ ومتى تفكرون في المعاد ؟ فقام إليه رجل من السوقة فقال : يا أمير المؤمنين ، أبد من طلب المعاش ؟ فقال : أيها الرجل ، إن طلب المعاش لا يصرفك عن طلب الآخرة . ألا قلت : أبد « 1 » من طلب احتكار ، فأعذرك إن كنت معذرو فولى الرجل وهو يبكي ، فسمعته عليه السّلام يقول : أقبل عليّ يا ذا الرجل أزيدك تبيانا ، إنه لا بد لكل عامل من أن يوفى في القيامة أجر عمله ، وعامل الدنيا إنما أجره النار ، ثم خرج من السوق ، والناس في رنة من البكاء ، إذ مرّ بواعظ يعظ الناس ، فلما بصر بأمير المؤمنين عليه السّلام سكت ولم يتكلّم بشيء ، فقال عليه السّلام : فكم ، وإلى كم توعظون فلا تتعظون ؟ قد وعظكم الواعظون ، وزجركم الزاجرون ، وحذّركم المحذّرون ، وبلّغكم المبلّغون ، ودلت الرسل على سبل النجاة ، وقامت الحجة وظهرت المحجة ، وقرب الأمر والأمد ، والجزاء غدا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [ الشعراء : 227 ] . يا أيها الناس ، إنه لم يكن لله تبارك وتعالى في أرضه حجة ولا حكمة أبلغ من كتابه ، ولا مدح الله منكم أحدا إلا من اعتصم بحبله ، وإنما هلك من هلك عندما عصاه ، وخالفه واتبع هواه ، واعلموا أن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر ، والله ما هو شيء قلته من تلقاء نفسي ، ولكني سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « ما من عبد جاهد نفسه ، فردها عن معصية الله إلا باها الله به كرام الملائكة ، ومن باها الله به كرام الملائكة
--> ( 1 ) في ( أ ) : ساقطة أبد .