محمد بن سعيد بن الدبيثي
94
ذيل تاريخ مدينة السلام
ونتيجة لهذه المعاصرة وما عرف عن ابن الدبيثي من صدق اللهجة وعفة اللّسان والاتزان التام في إصدار الأحكام فإن أقواله في المترجمين جرحا وتعديلا اعتبرت أقصى حدود الاعتبار ، وتناقلها العلماء على مر العصور في تجريح الرّجال أو تعديلهم والحكم عليهم ، وتجد آراءه مبثوثة عند أعاظم النّقاد مثل الحافظ ابن النجار في « تاريخه » ، وكالإمام الذهبي في « تاريخ الإسلام » و « الميزان » وابن حجر العسقلاني في « لسان الميزان » ، وغيرهم . - 3 - ولما كانت بغداد آنذاك حاضرة العالم وسيّدة بلاد الدّنيا حضارة وعلما وسياسة ، فقد دلّ هذا الكتاب العظيم على ما كانت تتمتع به هذه المدينة الخالدة من سمعة علمية في نشر العلم ودراسته وتدريسه ، حتى أصبحت محط أنظار العلماء يرحل إليها طلبة العلم من كل حدب وصوب ، ينهلون من أئمتها ويتلقون العلم في مساجدها وجوامعها ومدارسها الفخمة العديدة . وفي هذا الكتاب ذكر لعدد فخم من مراكز العلم والثقافة من المساجد ، والجوامع ، والرّبط ، والمدارس التي تدرس مذهبا واحدا أو عدة مذاهب . فضلا عن ذكر جملة كبيرة من الأساتذة ، والمدرسين ، والمعيدين ، والمتفقهة في مختلف العلوم ، من حديث ، وفقه ، ولغة ، ونحو ، وأدب ، وطب ، وهندسة وما إلى ذلك . - 4 - ونظرا لمعاصره ابن الدبيثي الأحداث المدونة في تاريخه ، فإن كتابه من أوحد الكتب التي يمكن من دراستها معرفة خطط مدينة بغداد ، ومحلاتها ، ودروبها ، وشوارعها ، وأسواقها ، ومقابرها ، ومدارسها ، وقصورها في النصف الثاني من القرن السادس الهجري والنصف الأول من القرن السابع الهجري لا سيما أن ابن الدبيثي عاش معظم حياته ببغداد ، وتوفي بها ، وكان على اتصال دائم بأهلها . ومعلوم ، عند أهل العلم بفن الخطط ، أنه لا يمكن دراسة الخطط إلا من