محمد بن سعيد بن الدبيثي
413
ذيل تاريخ مدينة السلام
من أهل ميّافارقين ، قدم بغداد في صباه ، وأقام بها إلى حين وفاته . وكان صاحب رياضة ، ومعاملة ، وكلام صائب . أنبأنا أبو المحاسن عمر بن عليّ القرشي ، قال : محمد بن عبد الملك الفارقي ، أبو عبد اللّه الشّافعي ، قدم بغداد في عنفوان شبابه وسمع بها جعفر بن أحمد السّرّاج ، وانقطع إلى الخلوة والمجاهدة والعبادة التّامة إلى أن لاحت له أمارات القبول ، واستعمل الإخلاص في أعماله إلى أن تحقّق جريان الحكمة على لسانه ، فكان العلماء والفضلاء يقصدونه ويكتبون كلامه الذي فوق الدّر ويتهادونه بينهم . وجرى على طريق واحد من اختيار الفقر والتّقلّل والتخشّن ، كتبت عنه من كلامه . قلت : وكان للفارقي مجلس في كل جمعة بجامع القصر بعد الصّلاة يتكلّم فيه على النّاس من غير تكلّف ولا تصنّع ولا روية والنّاس يكتبون « 1 » . فممن روى لنا عنه شيخنا أبو أحمد عبد الوهّاب بن عليّ بن عليّ « 2 » ، وأبو الحسين هبة اللّه ابن محمد قاضي المدائن ، وأبو شجاع عبد الرزاق ابن النّفيس الواسطي وغيرهم ، رحمهم اللّه . أخبرنا أبو أحمد عبد الوهّاب بن أبي منصور الصّوفي ، قال : سمعت أبا عبد اللّه محمد بن عبد الملك الفارقي يقول : « المحبة نار زنادها جمال المحبوب وحراقها حرق القلوب وكبريتها الكمد ووقودها الفؤاد والكبد » . سمعت أبا الفضل نعمة اللّه بن أحمد بن يوسف الأنصاريّ يقول : من كلام
--> ( 1 ) قال ابن الجوزي : « كان يتكلم على الناس قاعدا وربما قام على قدميه في دار سيف الدولة من الجامع . وكان يقال : إنه كان يحفظ كتاب نهج البلاغة ويغيّر ألفاظه . وكانت له كلمات حسان في الجملة » ( المنتظم 10 / 229 ) . وذكر ابن كثير أنّ له كتابا يعرف ب « الحكم الفارقية » يروى عنه ( البداية 12 / 260 ) ، ولعل هذا الكتاب هو الذي أشار إليه الصفدي بقوله : « وقد دون كلامه وجمعه وبوبه ورتبه أبو المعالي الكتبي في كتاب مفرد » . ( 2 ) يعني ابن سكينة الزاهد المشهور وسيأتي ذكره في هذا الكتاب .