ابن الزيات

84

التشوف إلى رجال التصوف

فكان إذا صلى الصبح أقام في المسجد إلى أن يصلى الضحى ويعتلى النهار ، فيخرج إلى دكانه بالسوق وقد ذبح تلامذته الغنم وأعدوها للبيع فيختطفها المبتاعون فيذهب ويغتسل ويتوضأ ويدخل المسجد ، ولا يزال متنفلا إلى أن يصلى الظهر ، ثم لا يزال متنفلا كذلك إلى أن يصلى العصر ، ثم يجلس إلى حلقة الذكر والفقه إلى أن يصلى المغرب ، ثم لا يزال متنفلا إلى أن يصلى العشاء الآخرة فينصرف إلى أهله فيقوم إلى ورده بالليل . فأقام على ذلك اثنى عشر عاما ، وكان إذا علمه أحد آية من القرآن أو مسألة من دينه . أعطاه درهما . فسمع أن الصالحين بأغمات وريكة ، فنهض إليها وأقام بها سبعة أعوام متفرغا للعبادة . ثم توجه إلى مكة فحج وجاور تسعة أعوام . ثم نهض إلى مصر فكان يحضر مجلس أبى الفضل الجوهري في لفيف الناس لا يعرفه أحد . فانصرف إلى مدينة فاس . فلما قرب منها وقد أصابه جوع شديد أبصر الحصادين قد سيقت لهم ثردة الفول بالسمن . فاستولت عليه شهوة الطعام مع شم رائحته . فقال في نفسه : أنا أسمر وهؤلاء الحصادون من جنسي ، فلعلهم يدعوني للمؤاكلة معهم . فمال إلى جهتهم فصاحوا عليه وانتهروه . فرجع على نفسه باللوم والتوبيخ فقال : واللّه لا أفلحت أبدا ! ولأعاقبن هذه النفس بالجوع من هذا المكان ! ولا أدخل عليها السرور بلقية من كان يعرفها من الناس بفاس ! فانقلب راجعا ، فمر برابطة بعض المنقطعين فخرج إليه وصافحه واعتنقه وقال له : إن اللّه قد حماك من طعام الحصادين فإنه حرام ، وقد أمرت زوجتي أن تصنع لك مثله . قال : فأخرج له مثل ذلك الطعام . فعمل خيمة قريبة من خيمته وعزم على المقام عنده . فجاءه سارقان ليلة ليأخذا عباءته فناشدهما اللّه أن ينصرفا عنه فأبيا . فقال : اللهم ادفعهما عنى ! فاختطف الأسد أحدهما وهرب الثاني . وتسامع الناس بذلك فهرب من الشهرة وعاد إلى المشرق . فلما وصل إلى مصر دخل جامع عمرو بن العاص وأبو الفضل الجوهري يتكلم مع الناس فلما رآه ناداه : تعال يا أبا جبل ! فلما دنا منه اعتقه وأجلسه بإزائه فرأى رجلا قد سد باب المسجد بطوله وعرضه ودنا من أبى الفضل ، فسارّه في أذنه وانصرف ؛ فقال له أبو الفضل : أرأيته ؟ فقال له أبو جبل : نعم ، ولم يره من الحاضرين في المسجد غيرهما . فقال له :