ابن الزيات
82
التشوف إلى رجال التصوف
فلما طلع الفجر سمعت قارعا يقرع الباب ، فخفت أن يكون صاحب السلك فإذا هو رسول أبى . فقلت في نفسي : لعل صاحب الدّين شكا إلى أبى . فأردت أن أكتتم منه . فلم يكن بد من النهوض إليه . فلما دخلت عليه سألني عن حالي وآنسني وقال لي : ارفع ما تحت البساط . فحملت خريطة فإذا فيها ألف دينار فقضيت الدين بنصفه وأصلحت بعض حالي ببقيته . ويقال : إن هذا الدعاء هو المأثور عن الخضر ، عليه السّلام ، على ما ذكره الغزالي في باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من كتاب « الإحياء » اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء ، وعلوت بعظمتك على العظماء ، وعلمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك ، وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك ، وعلانية القول كالسر في علمك ، وانقاد كل شئ لعظمتك ، وخضع كل ذي سلطان لسلطانك ، وصار أمر الدنيا والآخرة بيدك ، اجعل لي من كل همّ أمسيت فيه فرجا ومخرجا ؛ اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعنى أن أسألك ما لا أستوجبه مما قصرت فيه ؛ أدعوك آمنا وأسألك مستأنسا وإنك لمحسن إلىّ وإني لمسىء إلى نفسي ، فيما بيني وبينك ؛ تتودد إلىّ بنعمك ، وأتبغض إليك بالمعاصي ، ولكن الثقة بك حملتني على الجراءة عليك ، فعد بفضلك وإحسانك علىّ ، إنك التواب الرحيم « 1 » . ولما عاد أبو الفضل إلى القلعة أخذ نفسه بالتقشف وهجر اللين من الثياب ولبس الخشن من الصوف ، وكانت جبته إلى ركبتيه . فمر يوما بأبى محمد بن عصمة وكان فقيها مفتيا بالمدينة فلم يسلم عليه أبو الفضل لشغل باله . فعظم ذلك على ابن عصمة . فلما رجع أبو الفضل ناداه ابن عصمة محقرا له : يا يوسف ! فلباه أبو الفضل وجاءه . فقال له : يا توزرى صفرت وجهك ورققت ساقيك وصرت تمر فلا تسلم ! فاعتذر له أبو الفضل فلم يقبل عذره وأغلظ له القول . فقال له أبو الفضل : غفر اللّه لك ، يا أبا محمد ، وانصرف عنه [ من الطويل ] :
--> ( 1 ) راجع الإحياء ، كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، الباب الرابع في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر .