ابن الزيات
65
التشوف إلى رجال التصوف
وحش ؛ فلم أر شيئا ، فدخلت إلى الكهف فإذا شيخ ضرير . فسلمت عليه فقال لي : أجنىّ أنت أم إنسي ؟ فقلت : بل إنسي . قال : لا إله إلا اللّه ! ما رأيت ولا لقيت إنسانا منذ ثلاثين سنة غيرك . فلما دخلت عليه قال : لعلك مر بك البارحة تعب ، فاطرح نفسك . فدخلت داخل الكهف وفيه ثلاثة قبور . فلما كان بعد زوال الشمس ناداني فقال : الصلاة ، رحمك اللّه . فخرجت إلى العين ، فتطهرت وصلينا جماعة . ثم قام فلم يزل يركع إلى وقت العصر ، ثم أذن وصلينا العصر ، ثم قام يدعو رافعا يديه . فسمعت من دعائه : اللهم أصلح أمة محمد ! اللهم فرّج عن أمة محمد ! اللهم ارحم أمة محمد ! إلى أن سقط القرص فأذّن ولم أر أحدا أعرف بأوقات الصلوات منه . فلما صلينا المغرب قلت : لم أسمع منك من الدعاء إلا هذه الكلمات الثلاث . فقال : من قال هذا كل يوم ثلاث مرات كتبه اللّه من البدلاء . فقلت : من أين لك هذا ؟ قال : لا يحتمل إيمانك أن أقول لك . فلما صلينا العشاء الآخرة قال لي : أتأكل ؟ قلت : نعم . قال : ادخل داخلا فكل ما ثمّ . فدخلت فوجدت صخرة كبيرة عليها جوز ناحية وفستق ناحية وزبيب ناحية ، ومن ناحية تفاح يابس ، وحبة خضراء فأكلت منه ما أردت . فلما كان عند السحر جاء هو فأكل منه شيئا يسيرا ثم أوتر ، فما زال يدعو فسمعته يقول في سجوده : اللهم امنن بإقبالى عليك وإصغائى إليك وإنصاتى إليك والفهم عنك . وارزقني بصيرة في أمرك ونفاذا في خدمتك وحسن الأدب في معاملتك . فلما رفع رأسه قلت له : من أين لك هذا الدعاء ؟ فقال : ألهمته . لقد كنت في بعض أوقاتي أدعو به فسمعت هاتفا يهتف بي ويقول : إذا دعوت به ففخمه فإنه مستجاب . فلما صلينا قلت : من أين هذه الفواكه وأنا لم آكل شيئا أطيب منها ؟ فقال : ترى معاينة . فلما كان بعد ساعة دخل إلى الكهف طائر له جناحان أبيضان ، وصدره أخضر وفي منقاره حبة زبيب وبين رجليه جوز . فوضع الزبيب على الزبيب والجوز على الجوز . فقال لي : أرأيته ؟ قلت : نعم . فقال لي : منذ ثلاثين سنة يأتيني بهذا . فقلت له : كم مرة يدخل إليك بالنهار ؟ فقال : سبعا . فلما كان ذلك اليوم عددت أنا فإذا هو دخل خمس عشرة مرة . فقلت له ذلك .