ابن الزيات
5
التشوف إلى رجال التصوف
مقدمة هذه الطبعة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لست بحاجة إلى تعريف القراء والباحثين بأهمية كتب الطبقات وفهارس العلماء فيما يناسب الحياة العقلية في العصور الإسلامية السالفة وتطور الأوساط العلمية عبر هذه القرون . وليست دراسة تلك الطبقات بأقل فائدة من المصادر التي عنيت بالدول الماضية وحال رعايا البلاد ، بل كاد الباحث فيها يستجلب من أكثر صفحاتها مادة جديدة وفوائد إضافية ، مختصة بتاريخ الإسلام السياسي والاجتماعي . ومما يدعو إلى الغبطة في هذا الشأن أن العرب دونوا تاريخهم بعناية قلّ أن تساويهم فيها أمة من الأمم ، وافتنوا في ذلك افتنانا يدعو إلى الدهشة والإعجاب ، فألفوا في التاريخ السياسي الأسفار الطوال ، وبسطوا القول في الحديث عن الملوك ، والخلفاء ، والأفراد ، والحروب ، ومظاهر الحضارة ، ودرسوا مجتمعاتهم من النواحي المختلفة ، نقرأ ذلك في كتب الطبري ، والمسعودي ، وابن الأثير ، كما نقرأه في كتب الواقدي ، واليعقوبي ، وابن خلدون ، والمقريزي ، وغير هؤلاء . كما صنفوا في تاريخ البلدان ، وتراجم من وردها من الصحابة والتابعين ، وتراجم من نشأ فيها وتوطنها ونسب إليها أو إلى نواحيها ، ومن دخلها من غير أهلها غازيّا أو تاجّرا أو طالب علم ، كما فعل الرافعي في تاريخ قزوين . ونجد ذلك أيضا عند الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد كما نجده عند ابن عساكر في تاريخ دمشق وعند المقريزي في المقفى وعند غير هؤلاء . كما صنفت الكتب في تراجم حفاظ الحديث ورواته ، بل ترجم العلماء للضعفاء والوضاعين والمدلسين ، نقرأ ذلك كله عند البخاري ، وابن أبي حاتم ، والمزي ، والذهبي وابن حجر . بل مما يدعو إلى الإعجاب والإكبار أن علماء المسلمين ألفوا في طبقات شتى من الناس ، فألف في طبقات الفرسان معمر بن المثنى ، وألف في طبقات البلغاء أحمد بن محمد بن يوسف الأصبهاني ، كما ألف في طبقات الخطباء ، وألف في طبقات المغنين سليمان بن أيوب المديني .