ابن الزيات
307
التشوف إلى رجال التصوف
وحدثني محمد بن الحسن قال : سمعت عبد الحليم الغماد يقول : رأيت في النوم أن الخلق قد حشروا وقد أنبتت الأرض كلها نباتا ذا شوك كرؤوس الإبر ، وفي الأرض طريق طويل لا شوك فيه ، ورجل يمشى في ذلك الطريق ووراءه خلق كثير يتبعونه ووراءه رجل بيده لواء أبيض وهو ينادى بصوت يسمعه الداني والقاصي ، وهو يقول : أيها الناس ، هلموا إلى الطريق ! فرأيت كل من كانوا في تلك الطريق كلما أرادوا الخروج من الأرض ذات الشوك سقطوا ولم يقدروا على الخروج منها . وكنت في الأرض ذات الشوك ، فكلما رمت الخروج منها آذاني الشوك فسقطت . فأخذت ملحفتى . فلففت بها قدمي لأقيها من الشوك . فكلما أردت الخروج من الأرض ذات الشوك والوصول إلى الطريق التي لا شوك فيها سقطت ولم أقدر على الخروج منها . فقلت : يا قوم ، أخبروني عن هذا الرجل الذي تقدم هذا الخلق ومن هذا المنادى الذي بيده اللواء الأبيض ؟ فقالوا لي : الذي تقدم الخلق هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهؤلاء الذين اتبعوه هم متبعوه من أمته ، وهذا المنادى الذي بيده اللواء هو الفقيه أبو إسحاق بن قرقول المحدث . فلم أزل أحاول الوصول إليهم من ذلك الشوك إلى أن انتبهت من نومى . وحدثني محمد بن إبراهيم قال : بنى رجل من أهل سلا دارا وتأنق في بنائها وقال لعبد الحليم الغماد : أريد أن ترى دارى التي بنيتها . فمر معه إليها ، فدخلها . فقال له الرجل : ما تقول فيها ؟ فقال له : أرى فصلانها متداخلة ولم تعمل للفرس مدخلا يدخل منه . فقال له : وما هذا الفرس الذي يدخل منها ؟ فقال له : هو النعش فإنه لا مدخل عنده من تعاريج هذه الفصلان . فقال له : نعيت إلى نفسي ، فما انقضى عليه شهران حتى مات ذلك الرجل [ من الكامل ] : أنسيت يا مغرور أنّك ميّت * أيقن بأنّك في المقابر نازل تبلى وتفنى والخلائق للبلى * أبمثل هذا العيش يفرح عاقل سمعت أبا الحجاج يوسف بن حجاج الأنصاري يقول : سمعت عبد الحليم الغماد يقول : دفعت لرجل عشرين درهما ، لم يكن عندي غيرها « 1 » . على وجه القرض « 2 » .
--> ( 1 ) في الأصل : « غيرهما » . ( 2 ) في الأصل : « القراض » .