ابن الزيات

304

التشوف إلى رجال التصوف

بمكة وترك بالمدينة ابنته عند امرأة من أهل المدينة . فروت العلوم وانتهت إلى أن صارت تروى عنها المصنفات . ثم رحل أبو عبد اللّه إلى جبل لبنان . فوافق وصوله إليه موت إمام الصالحين به . فقدموه للصلاة بهم . وأقام به إلى أن مات رحمه اللّه تعالى . سمعت عبد الرحمن بن محمد يقول : حدثني أبو عبد اللّه محمد بن أبي عرجون قال : سافرت من تلمسان إلى بجاية مع رفقة فيهم شيخ يمشى على قدميه وليس عليه غير جبة ومئزر في وسطه ؛ ومعه أم عجوز وابنته على حمار . فكنت أصلى بالرفقة وأعظهم وذلك الشيخ يصغى إلى وعظى . فغسل يوما مئزره وجعله على رأسه ونشره بيده لتجففه الشمس . فهبت ريح فأطارت المئزر عن رأسه فرد إليه رأسه ونظيره ، ثم مر وتركه . فقلت في نفسي : هذا الشيخ موسوس ؛ فرفعت له مئزره إلى أن وصلته في المرحلة فأعطيته له . فلما قربنا من بجاية ونزلنا في بعض المنازل أخرجت أمه أوعيتها . فرأيت في بعض ما أخرجه من ذلك الأوعية رقا فيه خطوط الأشياخ بإجازة أبى عبد اللّه بن حسان ما رواه عنهم من المصنفات . فقلت لها : لمن هذه الإجازة ؟ فقالت : لذلك الإنسان . وأشارت إلى ابن حسان . فقمت إليه وقلت له : يا أبا عبد اللّه ، تركتني أصلى بك وأعظك وأنا لا أعرفك ! فقال لي : وأي شئ في هذا ؟ فقلت : أنت الخير . فاستمعت إليه . فلما حانت صلاة المغرب عزمت عليه أن يصلى بنا . فتقدم وقرأ قراءة خاشعة أحسست أعضائي قد انتقضت وخنقتني العبرة . فلما سلم قبلت يده ورجليه وقلت له : حرمتنى الصلاة خلفك وسماع قراءتك من تلمسان إلى هذا المكان ! فصليت خلفه إلى أن وصلت بجاية . ثم سألته عن قصة المئزر الذي رمته الريح عن رأسه فلم يرفعه . فقال لي : كنت نويت الهجرة إلى اللّه من المغرب ؛ فخفت أن أقبض عند أول خطوة أخطوها في رجوعي فأكون قد نقضت هجرتي . سمعت يحيى بن عبد الرحمن يقول : سمعت محمد بن الكرى يقول : كنت مع أبي عبد اللّه بن حسان ببجاية على سطح ؛ فتجرد من جبته ليفليها . فرأيت ظهره أسود من الضرب . فسألته عن ذلك ، فلم يجبني . فمكث ساعة ، فإذا مناد ينادى على قوم مضروبى الظهور بالسياط . فاطلعنا عليهم ، فإذا هم حرس السوق . فلما رآهم قال : سبحان اللّه