ابن الزيات
292
التشوف إلى رجال التصوف
سمعت سليمان بن أبي نور الرجراجى يقول : سمعت الفقيه أبا عبد اللّه محمد بن ياسين يقول : حضرت يوم الجمعة في الجامع . فلما صلينا قام أبو إبراهيم فقال : أتريدون أن أعظكم ؟ فسكتوا إلى أن قالها ثلاثا والناس سكوت والعامل حاضر . فتكلم في حق العامل بكلام خاف منه الناس على أنفسهم . فخرجوا من المسجد كلهم وخرج العامل من المسجد . فقيل له : هذا هو الذي تكلم في المسجد بما سمعته . فقال : احملوه إلى السجن وقيدوه واجعلوه في مطمورة عميقة . ففعلوا ما أمرهم به العامل ، وأمر الكاتب أن يكتب فيه كتابا إلى حضرة مراكش . فما لبث غير ساعة حتى أبصر أبا إبراهيم ماشيا وهو يقول بصوت جهير : أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ( غافر : 28 ) فغضب العامل وقال : ما أظنكم فعلتم الذي أمرتكم به ! وقام بنفسه وحمله إلى السجن وجعل على رجليه كبلين ودلاه بالحبل في حفرة وجعل عليها لوحا وأمر رجالا يجلسون عليه . فلما قعد الكاتب بين يديه يكتب الكتاب في شأنه إلى مراكش أبصر أبا إبراهيم مارّا عليه وهو يصيح ويقول : أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ فطأطأ العامل رأسه وتستر بالجالسين حوله إلى أن جاز عنه . فمزق الكتاب وتغافل عن أمره ولم يتعرض له بعد ذلك بشئ . وهذه القصة مشهورة ، سمعتها من غير ما طريق من غير واحد ، وهي وإن اختلفت ألفاظ روايتها ترجع إلى معنى واحد ، وبالجملة فشأن أبى إبراهيم من أعجب العجائب [ من الطويل ] : ومستهزئ باللّه بات فؤاده * على حرق تشكو لحرقتها النّار توجّه عنه النّاس في كلّ وجهة * وليس لأهل الحقّ أهل ولا جار وساعده طيف الخيال فأشرقت * عليه من اللّوح المكرّم أسرار فنحن على ريب الزّمان شوامخ * وعند ملاقاة الحوادث أحرار