ابن الزيات
267
التشوف إلى رجال التصوف
وكان أبو مدين يحدث أصحابه أن الشيخ أبا يعزى بشره أنه تهدى له جارية حبشية يرزق منها ولدا فإن عاش فسيكون له شأن . فأهدى له تاجر جارية حبشية فرزق منها ولدا سماه محمدا . ثم اعتزلها أبو مدين وكان يظهر عليه أثر الكآبة ، فقيل له في ذلك فقال : لم يكن لي في هذه الجارية أرب ولولا بشرى الشيخ أبى يعزى بأنه سيكون لي منها ولد ما قربتها ؛ ولم يبق لي الآن فيها أرب . فإن تركتها أثمت ، وإن زوجتها تحيرت من أمر ولدى منها . فقال لي عبد الرزاق : أنا أتزوجها وأكفل ابنك . فقال أبو مدين : أو تفعل ذلك ونكاح الحبشية عند المصامدة عار ؟ فقال له عبد الرزاق : وإنما أفعل ذلك من أجلك . فتزوجها وكان يربى ولد أبى مدين . فحفظ القرآن في أمد يسير . وظهرت منه فراسات . ثم اخترم صغيرا فانتقل عبد الرزاق إلى المشرق [ من الطويل ] : أسكّان نعمان الأراك تيقّنوا * بأنّكم في ربع قلبي سكّان ودوموا على حفظ الوداد فإنّنا * بلينا بأقوام إذا استحفظوا خانوا سلوا اللّيل عنّى مذ تناءت دياركم * هل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان سمعت عبد النور بن علي يقول : سمعت الشيخ أبا محمد صالح بن ينصارن يقول غير ما مرة : اغتم شيخنا أبو محمد عبد الرزاق من أمر كان بينه وبين زوجه وربما ضربته . فاعتزلها وانفرد في زاوية ذي النون المصري بإخميم . فغدونا إليه يوما فوجدناه قد تلطخ بالدماء ورأسه مجروح . فحدثني أنه كان بالزاوية بالليل وبابها مغلق ، فإذا رجل مد يده إلى الباب فانفتح ودخل عليه . فقال له : من أنت ؟ فقال له : أنا موسى الهروي . فقال عبد الرزاق : فقال لي : اسمع أحدثك . فأنشأ يحدثني عن نفسه ولم يصرح ، فقال له : ذهب رجل إلى ولى من الأولياء سمع به ؛ فسار إليه مسيرة أشهر . فدخل البلد الذي كان فيه بالليل ؛ فنزل في علو الدار التي كان يسكن فيها ذلك الولي . فلما كان الليل سمع ذلك الرجل كلام امرأة الولي ، وقد أتته بطعام . فقالت له : خذ يا هذا