ابن الزيات
18
التشوف إلى رجال التصوف
فدنا من الفقيه أكثر من عادته وأسرّ إليه حديثا فهمنا على أثره التغير العظيم في وجه الفقيه وقام على الفور ولم نقدر على مكالمته ، وغاب عنا يوما أو نحوه . فلما رأيناه بعد ذلك استفهمناه عن السبب الذي أزعجه من مقامه فأخبرنا بوفاة أخيه أبى حامد الغزالي ، رحمه اللّه ، وذكر أن الرجل المذكور الذي كان مختصّا بخدمة أخيه حدثه أن أبا حامد ، رحمه اللّه ، كان في اليوم الذي مات بالليلة المتصلة به استدناه ، ولم يكن به ألم ولا ظهور تغير ، فأعلمه بأنه يموت في تلك الليلة وأو عز إليه أن يدرجه إذا مات في أكفان عينها له ، ويستدعى قوما من أهل قرية كانت قريبة من موضعه ذلك ، لحضور الصلاة عليه ويحفر قبره في موضع بينه له ويضعه على شفيره ولا يتقدم أحد للصلاة عليه حتى يصل شخص لا يعرف فيتقدم للصلاة عليه بغير أمر . قال : وبقي على حالته التي كان عليها ، لم يظهر عليه مرض . ثم انغمس في الماء وتطهر ، وجن الليل فأقبل على صلاته وذكره . قال : وكنت أسمعه الساعة بعد الساعة فأسمع هينمته وخشوعه . فلما أصبح تفقدته فألفيته قد قضى نحبه مستقبل القبلة . ففعلت جميع ما أمر به . وحضر الناس جنازته للصلاة عليه وهو موضوع على شفير قبره . فلما اعتدلوا للصلاة عليه شاهدوا رجلا يقبل من البرية ملتفا في ثوب ، مشتدا . فلما وصل النعش سلم على القوم واستقبل القبلة وتقدم للصلاة فصلى عليه وصلينا بصلاته ، ثم سلم وانصرف على أدراجه دون أن يكلمنا أو نكلمه . ولم تزل تتبعه أبصارنا حتى توارى عنا . واشتغلنا بعده بدفن الفقيه وقضينا ، لما شهدنا من كرامته ، كل العجب . وهذه الحكاية صحيحة ورأيت من يوهنها ويقول : إنما دفن أبو حامد ، رحمه اللّه ، ببلده بطوس . وتوفى في عام ثلاثة عشر وخمسمائة ، ولا يبعد أن يكون نقل إلى طوس حيث قبره الآن ، واللّه أعلم . وقد ذكرت جملة من المجهولين والمجهولات ، إذ المقصود إيراد عجائب أخبارهم لعل اللّه أن ينفع بها . فإن الفائدة في ذكر أولياء اللّه تعالى تقوية قلب سالك طريق الآخرة لقوله تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ( هود : 120 ) وكفى بسبيلهم شرفا ، أن اللّه تعالى أمر نبيه ، صلى اللّه عليه وسلم ، باتباعهم ، وأضاف السبيل إليهم إضافة تكريم ، فقال تعالى : وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ( لقمان : 15 ) وقال له : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ( الكهف : 28 ) وقال سفيان بن عيينة : عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة . وقال يونس بن