ابن الزيات
15
التشوف إلى رجال التصوف
وقال علي بن الصباغ : أتيت عبد اللّه بن داود فسألته عن سكنى بغداد فقال : ما به بأس . قلت : فان سفيان الثوري كان لا يدخلها . فقال : سفيان يكره جوار القوم وقربهم . قلت : فابن المبارك ؟ قال : كان كلما دخلها تصدق بدينار . قال : ومن يصحح هذا عن ابن المبارك ؟ . وقال يحيى بن أيوب العابد : شهدت معروفا الكرخي وعنده رجل ؛ فذكر أن بغداد غصب . فقال له معروف : يا هذا ، اتق اللّه واحفظ لسانك ، فما نعرف شيئا غصبا . وسئل أحمد بن حنبل عن العقار الذي كان يستغله ، ويسكن في دار منه ، كيف سبيله عنده . فقال : هذا شئ ورثته من أبى ؛ فإن جاءني أحد فصحح أنه له ، خرجت عنه ودفعته إليه . ولما خفى عن كثير علم من كان بحضرة مراكش من الصالحين ومن قدمها من أكابر الفضلاء ، رأيت أن أفرغ لذلك وقتا أجمع فيه طائفة أدون أخبارهم وأضيف إلى ذلك من كان من أعمالها وما اتصل بها من أهل هذه العدوة الدنيا ، وربما ذكرت من قدم مراكش ومن « 1 » اتصل بها وإن كان من غيرها ، إذا كان مماته بها ، وذكرت من هو من أهل هذه العدوة وإن كان مماته بغيرها ، وتحريت في نقل ذلك عن أهل الثقة والأمانة والخير والصلاح والمستورين ما استطعت . وربما ذكرت بإسنادي ما نقلته من ذلك . وربما سمعت الخبر من عدة طرق بألفاظ كثيرة . فاعتمدت على أصحها سندا وأقربها إلى الصواب لفظا . ونبهت ، عند ذكر كل رجل ذكرته ، على مقامه المعلوم له . وسميت هذا الكتاب ب « التشوف إلى رجال التصوف » وإن كان مشتملا على أضراب من أفاضل العلماء والفقهاء والعباد والزهاد والورعين وغير ذلك من ضروب أهل الفضل ؛ فإن اسم الصوفي يصدق على جميعهم بوضع هذا الاسم عند المحققين . فإن كثيرا من الناس لم يحصلوا حقيقة اشتقاقه . والذي يعول عليه أن الصوفي هو المنقطع بهمته إلى اللّه تعالى ، المتصرف في طاعته . وهو في الأصل منسوب إلى صوفة ، وهم قوم من العرب . والمتصوف هو المدخل نفسه في الصوفية ، كقولهم : تقيس إذا أدخل نفسه في قيس ، أي في قيس عيلان ومن تقيس .
--> ( 1 ) في الأصل : « وما » تحريف .