ابن الزيات

120

التشوف إلى رجال التصوف

الليلة رب العزة جل جلاله . فوقف بين يديه فقال له : ما أهمك يا عبد الجليل ؟ فقال : يا رب أنت أعلم . فلما أصبح سمع قرع الباب ففتح فإذا هو برجل في الظلام . فناوله مائة دينار وانصرف عنه فأخذها منه وبعث بها إلى صاحب الدار . وكان إذا انصرف عنه حملة الفقه يقول لخاصة أصحابه : تعالوا نأخذ في نور العلم . فيأخذ معهم في علوم الآخرة وأسرار التصوف . قال أبو زكرياء : وانتهى عبد الجليل من شدة فقره إلى أن وضعت زوجه ولم يكن عنده غير كسباء واحد . فدفع إليها نصفه وأخذ النصف الثاني ورحل إلى المشرق فحج ورجع ولم يعلم بذلك أحد . ولزم بيته وكان لا يخرج منه إلا في يوم الجمعة ، وكانت دار سكناه قريبة من الجامع . فإذا صلى الجمعة انصرف إلى منزله فلم يكن يصله إلا في أول وقت العصر من كثرة ما يحبسه الناس للدعاء والتمسح به . وأخبرنا الشيخ الصالح أبو يحيى بن إبراهيم الهزرجى قال : سمعت الشيخ أبا عمران موسى بن يامصل النعال يقول : جاء ابن زرقون إلى القاضي عبد الحق بن إبراهيم فقال له : أما ترى ما أحدثه عبد الجليل من البدعة من اجتماع الناس عليه من باب الجامع إلى باب داره ؟ فقال له القاضي : مر أنت وافعل كفعله واجمع الناس عليك ! فقال له : لا يتأتى لي ذلك . فقال له : ما أصنع أنا في رجل وضع له القبول في الأرض فلو لا أن اللّه يحبه ، ما أحبه الناس . وحدثني محمد بن أحمد الزياتى : سمعت أبا على ويسينن بن عبد اللّه البردعى يقول : كنت بدكالة ، فقال لي الفقيه أبو حفص : أريد أن أبعث بقمح إلى عبد الجليل . فقلت له : زودنى بدعوة وابعثنى ولو إلى بلد السودان . فقال لي : سأدعو لك ؛ فأحضر لي جملين وعليهما غرائر من قمح . فدعا لي وحملتهما إلى أن وصلت مدينة مراكش زمان الحصار والعساكر تطوف حولها ، ولم يتعرض لي أحد إلى أن وصلت أغمات وريكة . فسألت عن عبد الجليل فقيل لي : إنه في الجامع والناس صفوف من باب الجامع إلى باب داره يتبركون به ويتمسحون بأثوابه ويستوهبون منه الدعاء .