ابن الزيات
111
التشوف إلى رجال التصوف
من دوم وقسمها نصفين سويين . فكل ما أعطيته أنا فقد أعطيه ، إلا أنى رزقت الأولاد وهو لم يتزوج . وحدثتني مريم بنت يوسف قالت : سمعت أمي ، وكانت قد أدركت أبا زكرياء ، تقول : كان أول بدء أمر يحيى بن محمد أنه كان من الرعيان ، وكان أقرع ويأوى إلى رجل صاحب ماشية كثيرة . فنزل بذلك الرجل يوما أضياف . فصنع لهم طعاما . فجاء يحيى بن محمد بإناء فيه ماء ليغسل الأضياف أيديهم . فأبى الأضياف أن يناولهم ذلك استقذارا له . فآلمه ذلك وقال : واللّه ، لا خدمت مخلوقا أبدا ، ولا خدمت إلا الخالق سبحانه ! فانفرد عن الناس وأقبل على عبادة اللّه تعالى إلى أن لحق بالأفراد [ الطويل ] : تزوّد من الدّنيا فإنّك في رمس * وعدّ عن الفعل الّذى كان بالأمس ولا تتخلّف عن رجال تقدّموا * من العالم الأدنى إلى العالم القدس وأقبل على إصلاح نفسك إنّما * تثاب بمقدار التّشاغل بالنّفس حدثني عمر اللمطى قال : زرت قبر يحيى بن محمد . فبت قريبا منه . فرأيت في النوم أنى مصعد من سماء إلى سماء حتى بلغت السماء الرابعة . فرأيت بها رجلا أقرع الرأس ليس في رأسه شعر إلا شئ يسير قد استدار به وحواليه هرر يمسح عليها بيده . فقصصت هذه الرؤيا على أبى جعفر محمد بن يوسف فقال لي : هذه الرؤيا حق ؛ هذه الصفة ، صفة أبى زكرياء يحيى بن محمد وهكذا كان في الدنيا . واخبرني غير واحد أنه كان قد بنى مسجدا بموضع الحواتين وبنى جواره بيتا كان يأوى فيه وكانت له هرر يأنس بها تحف به عن يمينه وشماله وكان يغسل ثيابه ويطحن معيشته بيده . وحدثني عيسى بن علي قال : سمعت عبد الرحمن بن موسى يقول : ربما شوهدت في بيت أبى زكرياء جارية تخدمه وتطحن له . فسئل عن ذلك فيقول : هي الدنيا تركتها فخدمتنى . وربما عاينوا الرحاء تطحن ولا يدرون من يديرها .