موفق الدين بن عثمان
14
مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )
وأصول ، ونحو ، وبيان ، وغيرها ، من خيرة أساتذتها في ذلك الوقت ، وفي هذا الطور من حياته كان متأثرا إلى حد كبير بآراء جدّه في إنكاره على الصوفية إنكارا شديدا ، تعصبا لعلوم الفقهاء ، وقد ذكر ذلك في كتابه « لطائف المنن » إذ يقول : « وكنت أنا لأمره - أي لأمر أبى العباس المرسى - من المنكرين ، وعليه من المعترضين ، حتى جرت مقابلة بيني وبين أصحابه ، وذلك قبل صحبتي إيّاه ، وقلت لذلك الرجل : ليس إلّا أهل العلم الظاهر ، وهؤلاء القوم - أي المتصوفون - يدّعون أمورا عظيمة ، وظاهر الشرع يأباها » . ويبدأ الطور الثاني من حياته سنة 674 ه عند التقائه بأبى العباس المرسى واصطحابه له ، وينتهى بارتحاله إلى القاهرة ، وفي هذا الطور نلاحظ زوال إنكاره للصوفية حين لقى أستاذه المرسى ، إذ أعجب به إعجابا كبيرا ، وأخذ عنه طريق الصوفية ، وقد كان السبب في تحوّله الواضح من الإنكار الشديد إلى التصوف أنه أحسّ بأزمة نفسية شديدة ، خشي معها أن يكون منكرا على الشيخ أبى العباس المرسى من غير حق ، وفي ذلك يقول : « وكان سبب اجتماعي به ( بأبى العباس ) أن قلت لنفسي بعد أن جرت المخاصمة بيني وبين ذلك الرجل : دعني أذهب انظر إلى هذا الرجل ، فصاحب الحق له أمارات ، ولا يخفى شأنه . فأتيت إلى مجلسه فوجدته يتكلم في الأنفاس التي أمر الشارع بها ، وعلمت أن الرجل إنما يغترف من فيض إلهي ، فأذهب اللّه ما كان عندي » . ومما هو جدير بالذكر أن ابن عطاء اللّه لم ينقطع عن طلب العلم بسلوكه طريق الصوفية ، وإنما ظل يطلب هذه العلوم بتوجيه شيخه له ، فقد ظن في بادئ الأمر أنه لن يستطيع أن يسلك طريق طريق الصوفية إلّا إذا انقطع عن اشتغاله بهذه العلوم ، وتفرغ بالكلية لصحبة شيخه . ويذكر ابن عطاء اللّه كيف كان أبو العباس المرسى يرسم لكل واحد من تلاميذه طريقا خاصّا فيقول : « ودخلت أنا عليه - أي على أبى العباس المرسى - وفي نفسي ترك الاشتغال بالعلم الظاهر ، فقال لي من غير أن أبدى له شيئا : صحبني بقوص إنسان يقال له ابن ناشئ ،