موفق الدين بن عثمان
654
مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )
يوم مقدارا يسيرا من الحديث حتى طالت المدّة ، وخفّت النفقة ، ودعتنا الضرورة إلى بيع ما صحبنا من ثوب وغيره ، إلى أن لم يبق معنا ما نتقوّت به يوما واحدا ، فطوينا ثلاثة أيام جوعا بشرّ حال ، ولم يبق مع أحدنا رمق ، وأصبحنا اليوم الرابع بحيث لا قوّة لأحد منّا من الجهد والجوع ، وأحوجت الضرورة إلى كشف قناع الحشمة ، وبذل الوجه إلى السّؤال « 1 » ، فلم تسمح نفوسنا لذلك ، ولم تطب قلوبنا به ، وأنف كلّ منّا من ذلك ، والضرورة تحوج إلى السؤال « 2 » ، فوقع اختيارنا على كتب رقاع باسم كلّ واحد ، فمن ارتفع اسمه منها كان هو القائم بالسّؤال ، وتحصّل القوت له ولأصحابه ، فارتفعت الرقعة التي باسمي ، فتحيرت في أمرى « 3 » ، وعدلت إلى زاوية من المسجد فصليت ركعتين ، وقويت الاعتقاد فيهما بالإخلاص ، ودعوت اللّه تعالى بأسمائه العظام وكلماته الرفيعة لكشف الضّرر وسياق الفرج ، فلم أفرغ من صلاتي حتى دخل مسجدنا شابّ حسن الوجه ، طيّب الرائحة ، نظيف الثياب ، يتبعه خادم ، وفي يده منديل ، فقال : من منكم الحسن بن سفيان ؟ فرفعت رأسي من السّجدة وسلمت وقلت : ما تريد ؟ وما حاجتك ؟ فقال : إنّ الأمير أحمد بن طولون يقرئكم السّلام ويعتذر إليكم « 4 » في الغفلة عن تفقّد أحوالكم ، والتقصير الواقع في رعاية حقوقكم ، وقد بعث بما يغنى نفقة الوقت ، وهو زائركم في غد بنفسه ، معتذر بلطفه ، ثم وضع بين يدي كل واحد منّا صرّة فيها مائة دينار . فعجبنا من ذلك وقلنا للشّابّ : ما القصّة ؟ فقال : إنّى أحد خدّام أحمد ابن طولون الأمير - الذين هم « 5 » الخاصّة - دخلت عليه في يومى هذا مسلّما
--> ( 1 ) في « م » : « السواد » ومعناها : عامة الناس . ( 2 ) في « م » : « السواد » . ( 3 ) في « م » : « أمير » تحريف . ( 4 ) في « م » : « إليه » لا يصح . ( 5 ) هكذا في « م » . . والضمير « هم » يعود على الخدّام .