موفق الدين بن عثمان

615

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

حتى أهل العلم ، لقد كنّا ندخل في حلق « 1 » العلم فلا يقوم الرّجل منّا إلّا باكيا خاشعا ، وإذا عاد « 2 » في اليوم الثاني وجد قد ارتقى عن الحالة الأولى في الحزن والكآبة » . ثم إنه خرج وانقطع عن الحضور ، ولازم العبادة إلى أن مات بالجوسق . وكان في ابتداء أمره مليح الصّورة ، حسن الهيئة ، وكان إذا مرّ افتتن النّساء بملاحته وحسن صورته ، فسأل اللّه تعالى أن يبتليه ببلاء يمنع من افتتان الناس به ، فابتلى ، رضى اللّه عنه ، فكان إذا مرّ أعرض « 3 » النساء بوجوههنّ عنه ، فحمد اللّه تعالى على ذلك . وكان له رجل يخدمه ، ويأتي إليه في كل يوم بأوراق من مغاسل « 4 » البقل ، فيطبخها بشئ من الملح ، ويقدمها له عند إفطاره ، فجاء له الخادم يوما بغير شئ ، فقال له : لم لم تأت بشئ ؟ قال : رأيت في طريقي جماعة من السودان يتحاربون ، فرجعت بغير شئ . فقال له : خذ هذه العكّازة وامض ، فإنّك تأمن من شرّهم . قال : فأخذ الخادم العكّازة ومضى ، ومرّ بينهم فلم يتعرّض له أحد بسوء ، فأخذ حاجة الشيخ ورجع سالما . وحكى عنه القاضي الفاضل عبد الرحيم بن الحسن « 5 » البيسانىّ حكاية عجيبة ، نقلها عنه أبو الحسن « 6 » الكاتب . قال أبو الحسن : قال لي القاضي الفاضل - رحمه اللّه تعالى : هل لك في زيارة القرافة ؟ قلت : نعم ، سمعا وطاعة .

--> ( 1 ) حلق : جمع حلقة . ( 2 ) في « م » : « دعاه » تحريف . ( 3 ) أعرض : صدّ وولّى . وفي « م » : « عرض » . ( 4 ) مغاسل : جمع مغسل ، وهو موضع الغسل . ( 5 ) في « م » : « ابن الحسين » وسيأتي بعد قليل . ( 6 ) في الكواكب السيارة : « أبو الحسين » في كل المواضع .